← العودة إلى التحقيقات
قانوني

«ما وراء الصورة»: أنطوان صحناوي من أوبرا ثيودور إلى مائدة نتنياهو - الجزء الأول

أريج الحسيني 2026-09-10 2,561 مشاهدة

من تمويل مبادرة أميركية ـ إسرائيلية إلى ظهور علني إلى جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو... ماذا تكشف الوقائع عن مسار المصرفي اللبناني أنطوان الصحناوي، وأين يقف هذا المسار من قانون مقاطعة كيان الاحتلال الإسرائيلي؟

«ما وراء الصورة»: أنطوان صحناوي من أوبرا ثيودور إلى مائدة نتنياهو - الجزء الأول

لم تكن الطاولة مزدحمة إلى الحد الذي يسمح لأحد بالاختباء.

في الصورة، جلس رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة بين عدد من المدعوين في مأدبة عشاء في واشنطن. وعلى الطاولة نفسها ظهر رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطوان صحناوي. لا حاجز بين الرجلين، ولا قاعة ضخمة يمكن أن تذيب الحضور في جمهور مجهول.

مجرد عشاء خاص، وصورة التُقطت في المكان الخطأ، أو ربما في اللحظة التي لم يكن يُراد لها أن تصبح شأناً لبنانياً عاماً.

كان ذلك في 27 تموز/يوليو 2026، في مأدبة أقيمت في واشنطن إحياءً لذكرى السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام. أكد مكتب نتنياهو مشاركته في المناسبة، فيما قال مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع على العشاء لوكالة رويترز إن صحناوي والدبلوماسية الأميركية مورغان أورتاغوس كانا وراء تنظيمها. وتظهر الصورة التي وزعها مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي صحناوي حاضراً إلى الطاولة نفسها.

في لبنان، لم تمر الصورة كفضول اجتماعي. فالبلد الذي يحمل صحناوي جنسيته منذ أكثر من عشر سنوات لم يكن ينظر إلى الجالس على الطرف الآخر من الطاولة باعتباره رئيس حكومة أجنبية عادية. فلبنان والكيان الإسرائيلي لا يزالان في حالة حرب قانونية، لكن المشهد لم يكن قانونياً فقط؛ ففي الوقت الذي كان فيه صحناوي يجلس إلى مائدة رئيس حكومة الاحتلال، كانت إسرائيل لا تزال تحتل بلدات ومناطق لبنانية بعد حرب شنتها على لبنان وأوقعت، بحسب وكالة أسوشيتد برس، أكثر من أربعة آلاف شهيد.

سرعان ما تحولت الصورة إلى مادة سجال واسع في لبنان، بين من اعتبرها دليلاً واضحاً على لقاء غير عابر مع رئيس حكومة الاحتلال، ومن شكك في صحتها أو احتمال التلاعب بها رقمياً، ومن حاول التقليل من دلالتها باعتبارها مجرد حضور في مناسبة اجتماعية.

ومع تصاعد الضجة، تحرك النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، وكُلّفت الأجهزة الأمنية التحقق أولاً من الصورة نفسها: هل هي حقيقية؟ هل عُدلت؟ وهل يمكن أن تكون قد أُنتجت أو جرى التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

وجاءت النتيجة، وفق ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام وأسوشيتد برس، بأن الصورة صحيحة ولم تخضع لتلاعب رقمي. بعدها صدر بلاغ بحث وتحر لمدة ثلاثين يوماً بهدف تحديد مكان صحناوي والاستماع إليه، في قضية مرتبطة بشبهات التعامل مع إسرائيل وخرق قانون المقاطعة.

لكن التحقق من الصورة حل سؤالاً واحداً فقط: صحناوي كان هناك.

أما السؤال الأهم فكان مختلفاً:

كيف وصل إلى هناك؟ وهل كانت المائدة محطة منفردة في مناسبة أميركية، أم أن الصورة أضاءت، من دون قصد، جزءاً من مسار بدأ قبلها بوقت طويل؟

قبل المائدة بعام: حين دخل المال على الخط

قبل المائدة بعام: حين دخل المال على الخط

للإجابة، ينبغي الرجوع إلى حزيران/يونيو 2025.

بعيداً عن صورة نتنياهو، كان اسم أنطوان صحناوي يظهر في مشروع يحمل عنواناً لا يحتاج إلى كثير من التأويل: «المبادرة الأميركية ـ الإسرائيلية للأوبرا» (US-Israeli Opera Initiative).

أُطلق المشروع لتأسيس تعاون طويل الأمد بين Washington National Opera وIsraeli Opera في تل أبيب. القصة، كما يرويها أحد مؤسسي المبادرة، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية دانيال غاليزر، بدأت أصلاً خلال رحلة عمل قام بها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في أيلول/سبتمبر 2024، حيث التقى في تل أبيب مسؤولين عن الأوبرا الإسرائيلية.

وبعد تسعة أشهر، انطلقت المبادرة في مركز كينيدي في واشنطن.

لم يكن البرنامج الافتتاحي محايداً سياسياً تماماً. فقد كان محوره عرض مرتبط بأوبرا Theodor، وهي أوبرا إسرائيلية تتناول محطات من حياة ثيودور هرتزل وبدايات تشكل رؤيته لإقامة دولة لليهود. وتصف الأوبرا الإسرائيلية العمل بأنه يروي قصة هرتزل، «صاحب رؤية الدولة»، وصولاً إلى اللحظة التي تتبلور لديه فيها فكرة تأسيس دولة يهودية.

لكن الخيط اللبناني يظهر في تمويل المشروع.

فغاليزر قال إن المبادرة ما كانت لتصبح ممكنة لولا «مساهمة مالية سخية من أنطوان صحناوي». التقرير المنشور في Baltimore Jewish Times لم يكتف بذكر اسمه كمتبرع؛ بل أشار كذلك إلى أنه معروف بتأييده للصهيونية.

وبعد أسابيع، أصبحت العلاقة بالمبادرة أكثر وضوحاً.

في مقابلة نشرتها Washington Jewish Week مع هاغار كمالي، المستشارة المقربة من صحناوي، قالت إن صحناوي وغاليزر شريكان في تأسيس المبادرة. وشرحت أن دعمه لا ينبع فقط من اهتمامه بالفنون، بل من قناعته، كما نقلتها عنه، بأهمية إسرائيل والصهيونية لمستقبل المنطقة، وأنه يفتخر بدعم مشروع يعزز العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية ويوفر منصة لفنانين إسرائيليين.

هذه ليست شهادة خصم سياسي لصحناوي، وليست اتهاماً في شكوى قضائية.

إنها تصريحات مستشارة تعمل معه وتتحدث عن دوافعه وعن مشروع شارك في تمويله وتأسيسه.

وهنا تبدأ الصورة بالاتساع.

فإن كان عشاء نتنياهو في تموز 2026 مناسبة اجتماعية يمكن الدفاع عنها بأنها وقعت ضمن الوسط السياسي الأميركي، فإن تمويل مبادرة تحمل شراكة صريحة بين مؤسسة أميركية والأوبرا الإسرائيلية وقع قبل ذلك بأكثر من عام.

ما يمكن إثباته هو وجود دعم مالي معلن للمبادرة.

أما الأسئلة القانونية الأشد أهمية فتبدأ بعد ذلك:

إلى أي جهة دُفع المال؟ هل وُجد عقد؟ ومن كان الطرف المقابل؟ وهل حصل الاتفاق مباشرة مع مؤسسة إسرائيلية أم من خلال كيان أميركي وسيط؟

هذه تفاصيل لا توفرها التقارير المنشورة حتى الآن، لكنها قد تحدد الفارق بين موقف سياسي مؤيد لإسرائيل وبين «تعامل» بالمعنى الذي يرسمه القانون اللبناني.

وهي أيضاً ما يجعل المال أكثر أهمية استقصائياً من الصورة.

أورتاغوس عن صحناوي: «ما يقوم به مخالف للقانون اللبناني»

بعد عشرة أشهر تقريباً من إطلاق مشروع الأوبرا، ظهر صحناوي مرة أخرى في واشنطن.

هذه المرة لم يكن المشهد في قاعة أوبرا، بل في متحف الهولوكوست التذكاري الأميركي.

في 14 نيسان/أبريل 2026، ظهر صحناوي مجدداً في واشنطن إلى جانب مورغان أورتاغوس؛ الدبلوماسية الأميركية التي لم تكن غريبة عن الملف اللبناني ولا محايدة في موقفها من إسرائيل. فقد كانت، حتى وقت قريب من المناسبة، نائبة المبعوث الرئاسي الخاص إلى الشرق الأوسط في إدارة ترامب، ومكلفة بمتابعة الملف اللبناني والمفاوضات المرتبطة بالكيان الإسرائيلي المحتل.

أما سياسياً، فلطالما عُرفت أورتاغوس بمواقفها شديدة التأييد لإسرائيل: خاطبت مؤتمر «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل»، ووصفت العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية بأنها «رابطة مقدسة»، ودافعت عن حق إسرائيل في الرد عسكرياً، فيما تحدثت لاحقاً بنفسها عن نشأتها في منزل قالت إن والديها فيه كانا «صهيونيين» شديدي التأييد لإسرائيل.

صحناوي نفسه كتب عن المناسبة وقال إنه وأورتاغوس تشرفا بالحضور وإن اسميهما كُشفا على جدار المتبرعين، وأعرب عن امتنانه لدعم عمل المتحف في حفظ ذاكرة المحرقة.

التبرع لمتحف أميركي ليس في ذاته دليلاً قانونياً على تعامل مع إسرائيل، لكن ما حدث خلال المناسبة تجاوز مسألة المتحف.

وقفت أورتاغوس إلى جانب صحناوي وقدمت عنه وصفاً سياسياً شديد الوضوح. قالت إن عائلته تنتمي إلى أجيال من «الصهاينة المسيحيين اللبنانيين»، وإنه تربى على دعم دولة إسرائيل والشعب اليهودي.

ثم انتقلت إلى مشروع الأوبرا، وقالت إن ما يقوم به صحناوي يُعد مخالفاً للقانون اللبناني، قبل أن تعبر عن فخرها به.

ولم يظهر في المقطع المنشور اعتراض من صحناوي على ما نسبته أورتاغوس إليه أو إلى عائلته.

لكن المسألة لا تقف عند أورتاغوس.

قبل ذلك بنحو تسعة أشهر، كانت مستشارته هاغار كمالي قد شرحت بالتفصيل للصحافة كيف وصل إلى تبني الصهيونية، وقالت إنه نشأ في عائلة تحمل مواقف إيجابية تجاه إسرائيل، وإنه يرى في الصهيونية وإسرائيل عنصراً ضرورياً لمستقبل لبنان والمنطقة. والمادة نفسها قدمته بوصفه شخصاً «يعرف نفسه مؤيداً متشدداً للصهيونية».

ما وراء وصف أورتاغوس: العائلة والمصرف

ما وراء وصف أورتاغوس: العائلة والمصرف

حين تحدثت مورغان أورتاغوس إلى جانب أنطوان صحناوي عن انحداره من «أجيال من الصهاينة المسيحيين اللبنانيين»، وعن تربيته على دعم إسرائيل، لم تقدم هذا الوصف باعتباره اتهاماً، بل في معرض الإشادة به وبخلفيته العائلية.

وكان صحناوي واقفاً إلى جانبها، من دون أن يظهر في المقطع اعتراض منه على ما نسبته إليه أو إلى عائلته.

لكن ماذا نعرف عن هذه الخلفية؟

تقود العودة إلى تاريخ العائلة بصورة أساسية إلى والد أنطوان، نبيل صحناوي، الذي يظهر اسمه في شهادات ووثائق مرتبطة بالعلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية خلال الحرب الأهلية، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

بحسب وثيقة أرشيفية إسرائيلية أعاد الباحث طه حسين نشر مضمونها، يظهر اسم نبيل صحناوي في تقارير تعود إلى عام 1983 ضمن مراسلات مرتبطة بقسم لبنان في وزارة الخارجية الإسرائيلية.

وتنقل الوثيقة توصيفاً له بأنه «تاجر لبناني وصديق قديم يقيم علاقات تجارية معنا»، كما تنسب إليه حديثاً عن تحفظ اللبنانيين على شراء البضائع الإسرائيلية بصورة علنية، ولجوء بعض التجار إلى طرق غير مباشرة للحصول عليها عبر تحويلات أجنبية.

تكمن أهمية هذه المادة في أنها لا تشير فقط إلى معرفة أو اتصال مع الجانب الإسرائيلي، بل تقدم، وفق النص الوارد في الوثيقة، توصيفاً إسرائيلياً للعلاقة مع نبيل صحناوي باعتبارها قديمة وذات بعد تجاري، وتظهره مصدراً يتحدث إلى الإسرائيليين عن السوق اللبنانية وإمكانات التعامل التجاري في تلك المرحلة.

وتتقاطع هذه المادة الأرشيفية مع شهادات أخرى نقلتها سلسلة التحقيقات التي نشرتها L'Orient-Le Jour وأعاد The Grayzone الاستناد إليها. فقد نقلت عن موريس صحناوي، شقيق نبيل وعم أنطوان، قوله إن شقيقه كان قريباً من الإسرائيليين وإن هذه العلاقة تعززت خلال تلك المرحلة.

كما أوردت شهادات عن استقبال نبيل شخصيات إسرائيلية، بينها ديفيد كيمحي، الذي عمل لسنوات في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قبل أن يتولى منصب المدير العام لوزارة الخارجية.

ولا تقف المراسلات الإسرائيلية المنشورة عند توصيف العلاقة التجارية.

ففي مذكرة مؤرخة في 8 تموز/يوليو 1983، يوثق استقبال أقيم في منزل نبيل صحناوي في بيروت بحضور مسؤولين إسرائيليين ونحو أربعين شخصية لبنانية من أوساط مالية واقتصادية وقانونية.

ووفق ما ورد في المذكرة، تحدث بعض الحاضرين عن رغبتهم في استمرار الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي وتعميقها.

وبعد عشرة أيام، في مذكرة مؤرخة في 18 تموز/يوليو 1983، يظهر اسم نبيل صحناوي مجدداً في سياق أكثر مباشرة، إذ تذكر الوثيقة أنه رافق مسؤولين إسرائيليين في معاينة مبنيين كانا قيد البحث لاستخدام أحدهما مقراً لما وصفته المراسلات الإسرائيلية بـ«تمثيلنا» في لبنان.

وعندما توضع هذه المواد جنباً إلى جنب، لا يعود الحديث مقتصراً على معرفة اجتماعية عابرة.

فبحسب المراسلات المنشورة، يظهر نبيل صحناوي في اتصال تجاري قديم مع الجانب الإسرائيلي، وفي استضافة لقاءات لمسؤولين إسرائيليين وشخصيات لبنانية، ثم في معاينة مواقع مرتبطة بوجود تمثيلي إسرائيلي في لبنان.

ويكتسب ظهور اسم ديفيد كيمحي أهمية خاصة في هذا السياق. فهذه الوقائع تعود إلى مرحلة كان فيها لبنان يعيش تداعيات الاجتياح الإسرائيلي، وفي المناخ السياسي الذي أحاط باتفاق 17 أيار ومحاولات إقامة علاقات رسمية وغير رسمية بين إسرائيل وأطراف لبنانية.

ولا تعني هذه الخلفية أن أنطوان صحناوي ورث تلقائياً علاقات والده أو مواقفه.

لكنها تجعل العبارة التي استخدمتها أورتاغوس بعد أكثر من أربعة عقود، حين تحدثت عن «أجيال» من الصهاينة المسيحيين اللبنانيين في عائلته وعن تربيته على دعم إسرائيل، جديرة بأن تُقرأ في ضوء تاريخ أقدم من ظهور الابن إلى جانبها في واشنطن.

رجل المصرف وحجم الصفة

غير أن أنطوان صحناوي لا يُقرأ في هذا التحقيق من خلال اسم عائلته وحده.

فصفته الحالية ليست تفصيلاً هامشياً في القضية.

هو ليس مواطناً لبنانياً يعيش خارج البلاد أو رجل أعمال يتحرك بعيداً عن المؤسسات اللبنانية.

فالموقع الرسمي لبنك سوسيتيه جنرال في لبنان SGBL يعرفه رئيساً لمجلس الإدارة ورئيساً تنفيذياً للمصرف، وهو المنصب الذي يشغله منذ عام 2007. ووفق بيانات البنك، كان يملك شخصياً 51.65 في المئة من الأسهم العادية حتى أيلول/سبتمبر 2024.

وتظهر الوقائع التي يوثقها هذا التحقيق امتداد علاقاته إلى دوائر مالية وسياسية خارج لبنان، إلى جانب موقعه على رأس مجموعة مصرفية لبنانية ذات امتداد خارجي.

وهنا تكتسب الوقائع التي عرضها التحقيق وزناً مختلفاً.

فالتاريخ العائلي لا يشكل بحد ذاته مخالفة قانونية، كما أن الموقف السياسي أو الأيديولوجي لا يساوي تلقائياً جرماً.

لكن عندما يجتمع موقع مصرفي بهذه الحساسية مع تمويل مشروع أميركي ـ إسرائيلي، وعلاقات تمتد إلى شخصيات أميركية وإسرائيلية، ثم ظهور علني إلى جانب رئيس حكومة الاحتلال، يصبح التدقيق في طبيعة هذه العلاقات ومساراتها ضرورة لا مجرد فضول سياسي.

ولا سيما أن قانون مقاطعة إسرائيل لا يتوقف عند الاتصال المباشر، بل يتناول أيضاً صوراً من التعامل بالواسطة.

ومن هنا يصبح تتبع العقود، وحركة الأموال، والجهات المستفيدة، والوسطاء، وطبيعة أي اتفاق أو تنسيق محتمل، عنصراً أساسياً في تحديد ما إذا كانت الوقائع تبقى في حدود الموقف السياسي والعلاقات الاجتماعية، أم تنتقل إلى أفعال يمكن أن تقع ضمن نطاق ما يحظره القانون اللبناني.

وبذلك، يصبح وصف أورتاغوس للعائلة مدخلاً إلى مستويين مختلفين من التحقيق: ماضٍ عائلي تظهر فيه علاقات إسرائيلية موثقة أو منسوبة إلى مصادر تاريخية، وحاضر يقوده أنطوان صحناوي من موقع مصرفي ومالي يجعل تتبع المال والعقود والعلاقات أكثر إلحاحاً.

من المال إلى الإعلام: حين دخل التطبيع إلى المنصة

من المال إلى الإعلام: حين دخل التطبيع إلى المنصة

لم ينته تتبع الخيوط عند مشروع الأوبرا ولا عند اللقاءات التي خرجت إلى العلن.

فالبحث في الدائرة المحيطة بأنطوان صحناوي يقود إلى مساحة أخرى أكثر قدرة على التأثير في الداخل اللبناني: الإعلام.

في 12 آب/أغسطس 2026، نشر موقع The Grayzone الأميركي تحقيقاً للصحافي وايت ريد عن أنطوان صحناوي، وضعه فيه في قلب شبكة تمتد من المصارف إلى الإعلام والعلاقات السياسية الأميركية والإسرائيلية.

واستند التحقيق، في قسم مهم من مادته، إلى سلسلة تحقيقية من خمسة أجزاء كانت L'Orient-Le Jour/L'Orient Today قد نشرتها قبل ذلك بأسابيع تحت عنوان عام عن «ظل أنطوان صحناوي على لبنان»، وخصصت أحد أجزائها لشبكته الإعلامية والسياسية، وآخر لعلاقته بإسرائيل.

لكن «أثر» لم تتعامل مع ما أورده The Grayzone بوصفه كتلة واحدة من الحقائق.

فبعض ما ينشره الموقع يستند إلى وثائق ومصادر يمكن العودة إليها بصورة مستقلة، فيما يقوم جزء آخر على شهادات مجهلة أو استنتاجات سياسية لا تتيح الأدلة العامة تثبيتها حتى الآن.

ولذلك أعدنا تفكيك الادعاءات واحداً تلو الآخر، والعودة، كلما أمكن، إلى المصدر الأصلي.

وأول ما أمكن إثباته بصورة مستقلة هو التمويل الإعلامي.

إعلام ممول من صحناوي

في دراسة عن تمويل الإعلام اللبناني أصدرتها مؤسسة سمير قصير – SKeyes، يرد اسم أنطوان صحناوي صراحة بوصفه ممولاً لـIci Beyrouth وIM Lebanon.

وتقود Ici Beyrouth بدورها إلى شبكة أوسع. فعند إطلاق This Is Beirut عام 2023، قدمتها المنصة الفرنسية باعتبارها نظيرها الإنكليزي، فيما أظهرت مواد لاحقة أن This Is Beirut - وLoubnan Houna وExecutive تعمل ضمن المجموعة نفسها وتتشارك المكاتب.

كما وصفت وكالة أسوشيتد برس This Is Beirut بأنها موقع «مرتبط بصحناوي».

وتنسب تحقيقات L'Orient وThe Grayzone إلى صحناوي تمويل شبكة تضم Ici Beyrouth - This Is Beirut - Loubnan Houna.

وما أمكن لـ«أثر» تثبيته بصورة مستقلة هو تمويل Ici Beyrouth ووجود شبكة إعلامية مترابطة مرتبطة بصحناوي؛ أما مسار التمويل المباشر لكل كيان على حدة فلا تظهر تفاصيله كاملة في المصادر العامة.

لكن الأهم من بنية الملكية والتمويل هو ما فعلته إحدى هذه المنصات علناً.

في ميونيخ: «أول تعاون رسمي لبناني ـ إسرائيلي»

في ميونيخ: «أول تعاون رسمي لبناني ـ إسرائيلي»

في شباط/فبراير 2026، قبل نحو شهرين من ظهور صحناوي إلى جانب مورغان أورتاغوس في متحف الهولوكوست، وقبل خمسة أشهر من عشاء نتنياهو، دخلت This Is Beirut في تعاون معلن مع مؤسسة إسرائيلية.

قبل انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن، نشرت المنصة بياناً عن جلسة ستقيمها مع MIND Israel لمناقشة السلام اللبناني ـ الإسرائيلي والاندماج الإقليمي.

وبعد انعقادها، نشرت مادة تحت عنوان This Is Beirut and MIND Israel Make History at Munich Security Conference 2026، قالت فيها إن المؤسستين اللبنانية والإسرائيلية شاركتا في استضافة جلسة حول الاندماج الإقليمي، ووصفت الحدث بأنه «أول تعاون رسمي بين مجموعات مجتمع مدني لبنانية وإسرائيلية في المؤتمر».

والصحافة الإسرائيلية وثقت الحدث بالطريقة نفسها.

فقد نشرت The Jerusalem Post في 18 شباط/فبراير تقريراً عن «أول جلسة مدنية لبنانية ـ إسرائيلية رسمية في مؤتمر ميونيخ»، وقالت إن MIND Israel - This Is Beirut نظمتا الجلسة معاً.

ونقلت عن مؤسس MIND، اللواء المتقاعد عاموس يادلين، قوله إن مجرد انعقادها يمثل خطوة صغيرة ولكن ذات معنى نحو تغيير عقود من العداء.

غير أن أهمية الطرف الإسرائيلي هنا لا تقتصر على كونه مؤسسة إسرائيلية.

من هي MIND Israel؟

على موقعها الرسمي، لا تقدم MIND Israel نفسها بوصفها مجرد مركز أبحاث أكاديمي.

بل تعرف نفسها حرفياً بأنها «شريك استراتيجي غير ربحي في صياغة وتنفيذ سياسة الأمن القومي الإسرائيلي»، وتقول إنها تعمل بصورة مستمرة مع صناع السياسات والمسؤولين الدفاعيين، وتقدم لهم التحليل والمشورة ودعم اتخاذ القرار.

أسس المؤسسة ويرأسها اللواء المتقاعد عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي تقول إن دورها لا ينتهي عند إنتاج الدراسات، بل يمتد إلى العمل مع جهات إسرائيلية لدعم عمليات صياغة السياسات وتنفيذها.

ومن بين برامجها الأساسية برنامج «التطبيع والاندماج الإقليمي». وتقول المؤسسة إن هذا البرنامج يوفر إطاراً استراتيجياً للاستفادة من اتفاقيات أبراهام وتوسيع مسارات التطبيع الإقليمي.

بل إن مواد MIND الخاصة بلبنان تتحدث صراحة عن «احتمالات التطبيع بين إسرائيل ولبنان» وعن تحويل ما تصفه بالتغيرات الإقليمية إلى فرصة للتقدم بين الطرفين وربما التمهيد لتوسيع اتفاقيات أبراهام.

وبذلك، فإن ما وصفته This Is Beirut نفسها بأنه «أول تعاون رسمي لبناني ـ إسرائيلي» لم يكن مع مؤسسة ثقافية أو إعلامية، بل مع جهة تعمل، وفق تعريفها لنفسها، داخل مجال الأمن القومي الإسرائيلي وتوسيع مسارات التطبيع.

وهو خيط حدث قبل صورة نتنياهو.

المنصة تقول ما "تريده" بنفسها

المنصة تقول ما "تريده" بنفسها

في صفحة «من نحن» الرسمية للمنصة، تقول إنها تعمل عند «تقاطع السياسات والإعلام»، وإنها تجمع بين صرامة مركز أبحاث وقدرة غرفة أخبار رقمية على الوصول إلى الجمهور، مؤكدة أنها مستقلة وغير حزبية، لكنها «ليست محايدة».

وفي الصفحة نفسها تعلن صراحة:

«نتطلع إلى السلام بين لبنان وإسرائيل».

لكن الخطاب المنشور على المنصة لا يقف عند حدود الدعوة إلى السلام مع إسرائيل.

ففي 10 آب/أغسطس 2026، نشر الباحث حسين عبد الحسين في This Is Beirut مقالاً أعادت نشره مؤسسة Foundation for Defense of Democracies – FDD بعنوان واضح:

Arabs Must Make Peace with Zionism – «على العرب أن يصالحوا الصهيونية».

ولا يكتفي المقال بالدعوة إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، بل يدعو إلى تحول في البيئتين التعليمية والإعلامية العربية بعيداً عن الخطاب المناهض للصهيونية، وإلى التعامل معها، وفق طرح الكاتب، بوصفها حركة قومية يهودية موازية لحركات التحرر القومي.

وتبرز دلالة هذا الخطاب حين يوضع إلى جانب الوقائع السابقة في التحقيق.

ففي نيسان/أبريل، كانت مورغان أورتاغوس تقف إلى جانب صحناوي وتصف عائلته بأنها من «الصهاينة المسيحيين اللبنانيين» وتقول إنه تربى على دعم إسرائيل؛ وبعد أشهر، يظهر في منصة مرتبطة بشبكته الإعلامية مقال يدعو العرب صراحة إلى «التصالح مع الصهيونية».

وهنا ينتقل السؤال من تمويل الإعلام إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الإعلام في صناعة الخطاب نفسه.

غاليزر: العلاقة بدأت قبل «ثيودور» بثماني سنوات

دانيال غلايزر ينضم الى بنك سوسييتيه جنرال لبنان - BusinessEchoes 06 أيلول/سبتمبر 2017

دانيال غلايزر ينضم الى بنك سوسييتيه جنرال لبنان - BusinessEchoes 06 أيلول/سبتمبر 2017

ويفتح The Grayzone خيطاً آخر يستحق العودة إليه، يتعلق بدانيال غلايزر.

ظهر غلايزر في القسم السابق من تحقيقنا بوصفه أحد مؤسسي المبادرة الأميركية ـ الإسرائيلية للأوبرا، والرجل الذي قال إن المشروع ما كان ليصبح ممكناً من دون مساهمة أنطوان صحناوي.

لكن هذه لم تكن بداية العلاقة بين الرجلين.

ففي 6 أيلول/سبتمبر 2017، أعلن SGBL تعيين دانيال غاليزر، مساعد وزير الخزانة الأميركي السابق لشؤون تمويل الإرهاب، مستشاراً أول لرئيس مجلس إدارة البنك أنطوان صحناوي.

ويمكن مراجعة إعلان التعيين المنشور لدى جمعية مصارف لبنان.

ويقول الإعلان إن SGBL أراد الاستفادة من خبرة غلايزر الممتدة لعقود في وزارة الخزانة الأميركية، وخصوصاً في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في إطار نشاط المصرف وتوسعه الدولي.

هذه الواقعة تثبت أمراً مهماً لفهم العلاقة: الشراكة التي ظهرت في مشروع الأوبرا عام 2025 لم تجمع شخصين تعارفا من أجل «ثيودور»، بل خرجت من علاقة مهنية موثقة تمتد إلى ثماني سنوات على الأقل.

أشكروفت: علاقة أخرى تثبتها وثيقة قضائية

https://thegrayzone.com/2026/08/12/media-militiamen-lebanese-aipac-beirut-normalize-israel/

https://thegrayzone.com/2026/08/12/media-militiamen-lebanese-aipac-beirut-normalize-israel/

يربط تحقيق The Grayzone كذلك صحناوي بدوائر أميركية أقدم، بينها وزير العدل الأميركي السابق جون أشكروفت ومكتبه القانوني.

في ملف التسوية القضائية الأميركية المرتبط بـLebanese Canadian Bank عام 2013، يظهر المحامي ميشال سوليفان من The Ashcroft Law Firm بصفته محامي SGBL، فيما تحمل الوثيقة توقيع أنطوان صحناوي نفسه بصفته رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمصرف.

إذن، ما تثبته الوثيقة هنا هو وجود علاقة مهنية بين SGBL ومكتب أشكروفت. ولا تتيح هذه الوثيقة وحدها استخلاص ما يتجاوز طبيعة تلك العلاقة القانونية.

من التطبيع إلى الحرب على «القرض الحسن»

من التطبيع إلى الحرب على «القرض الحسن»

لا يقف تحقيق The Grayzone عند الإعلام والتطبيع. فهو يحاول رسم دائرة أوسع لنفوذ صحناوي، تنتقل من المنصات والخطاب إلى الضغط على البنية المالية لحزب الله من جهة، وإلى جماعة «جنود الرب» التي ظهرت في شوارع الأشرفية وحول بعض مؤسسات SGBL من جهة أخرى.

لكن مستوى الإثبات هنا يختلف عن الأقسام السابقة من التحقيق، ولذلك ينبغي الفصل بين الوقائع التي أمكن توثيقها وبين الاستنتاجات التي لا تزال تحتاج إلى أدلة إضافية.

في ملف جمعية «القرض الحسن»، يلفت التحقيق إلى تداخل شبكات سياسية وإعلامية أميركية ولبنانية مرتبطة بالدائرة التي يتحرك فيها صحناوي، وإلى خطاب علني كان يدفع باتجاه ضرب البنية المالية لحزب الله في الوقت نفسه الذي كانت فيه واشنطن وإسرائيل تصعدان إجراءاتهما ضد الجمعية.

والتسلسل هنا لافت.

في آذار/مارس 2026، استهدفت إسرائيل فروعاً لـ«القرض الحسن» في لبنان. وخلال الضربات، نشرت Ici Beyrouth ـ التي وثقنا سابقاً تمويل صحناوي لها ـ تحذيرات الجيش الإسرائيلي بشأن فروع الجمعية، ونقلت خطاب الجيش الذي وصفها بأنها عنصر أساسي في تمويل حزب الله. كما تابعت المنصة الضربات التي أصابت الفروع في الضاحية والجنوب.

وبعد ذلك بأشهر، انتقل الضغط من القصف إلى الدعوة السياسية والمالية الصريحة.

في 18 حزيران/يونيو 2026، نشرت Foundation for Defense of Democracies – FDD ورقة بعنوان «الضغط على القرض الحسن قد يضعف فرص حزب الله في البقاء».

طبعاً ليس مفاجئاَ أن FDD هي مؤسسة غير حكومية مركزها واشنطن تعلن أن مهتمها الرئيسية "الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، وبالأخص إسرائيل، في مواجهة تهديدات الدول والمنظمات غير الحكومية.

ولم تكتف الورقة بوصف الجمعية، بل دعت واشنطن إلى الضغط على بيروت من أجل تضييق الخناق عليها وصولاً إلى إغلاقها، وتوسيع العقوبات لتشمل الأفراد والمؤسسات التي تتعامل معها.

أهمية FDD في هذا السياق لا تأتي من المقال وحده.

فهناك تداخل بين دائرة كتاب المؤسسة وبين This Is Beirut. الباحث حسين عبد الحسين، الذي ينشر بصورة منتظمة في This Is Beirut، هو باحث في FDD، والمقالات التي يكتبها للمنصة اللبنانية تعاد على موقع المؤسسة الأميركية. وكذلك ينشر سيث فرانتزمان في This Is Beirut، فيما تعرفه FDD بأنه زميل مساعد لديها ومساهم في منشوراتها.

وهكذا تكشف الوقائع عن تقاطع في الخطاب بين منصة مرتبطة بالشبكة الإعلامية المحيطة بصحناوي وكتاب يعمل بعضهم أيضاً مع FDD، في وقت كانت المؤسسة الأميركية تدعو إلى تشديد الضغط على «القرض الحسن».

لكن المواد المتاحة لـ«أثر» لا تكشف ما إذا كان هذا التقاطع نتيجة تنسيق، أم أنه يعكس تقارباً في المواقف والخطاب.

والمثبت هنا هو وجود روابط مهنية وإعلامية متقاطعة وخطاب متقارب في التوقيت والمضمون؛ أما وجود تنسيق مباشر أو توجيه من صحناوي لهذه المواقف فلا تثبته الأدلة المتاحة حتى الآن.

«جنود الرب»: قوة حماية ضاربة أم تمهيد لتحريك الشارع طائفياً؟

«جنود الرب»: قوة حماية ضاربة أم تمهيد لتحريك الشارع طائفياً؟

إذا كان ملف «القرض الحسن» يكشف جانباً من التقاطع الإعلامي والسياسي، فإن «جنود الرب» يفتح باباً مختلفاً، لكن الأدلة المتاحة تفرض قدراً أكبر من الحذر.

ظهرت الجماعة علناً في الأشرفية عام 2022، بعد اعتدائها على لوحة أقامتها Pride Beirut في ساحة ساسين، وسط خطاب ديني متشدد وتهديدات ضد ما يسمى بـ«مجتمع الميم».

لكن اللافت في تحقيق مبكر نشرته L'Orient-Le Jour لم يكن خطاب الجماعة وحده، بل المكان الذي شوهد عناصرها فيه وصلاتهم المنسوبة إلى صحناوي.

فقد أفاد التحقيق بأن عناصر من «جنود الرب» كانوا يتمركزون أمام المقر الرئيسي لـSGBL في سن الفيل وأحد فروعه في الأشرفية، ونقل عن سكان محليين وعدد من المصادر داخل المصرف ـ طلبت عدم كشف أسمائها ـ قولها إن هؤلاء الرجال يشكلون جزءاً من المجموعة الأمنية التابعة لأنطوان صحناوي.

مكتب صحناوي نفى ذلك بصورة صريحة.

وقالت المسؤولة الإعلامية فيه، أسماء أندراوس، إن أعضاء «جنود الرب» ليسوا موظفين لدى صحناوي ولا لدى SGBL.

وهذا النفي يبقى جزءاً أساسياً من الصورة.

لكن الأسئلة لم تختف بعد النفي.

ففي كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد اشتباك في الأشرفية أدى إلى مقتل مسؤول محلي في القوات اللبنانية، أعادت L'Orient Today الإشارة إلى أن مقر «جنود الرب» يقع في المبنى الذي يقيم فيه نبيل صحناوي، والد أنطوان صحناوي، وأن أعضاء من الجماعة سبق أن شوهدوا أمام فروع SGBL.

وعاد الجزء الخامس من تحقيق L'Orient عن صحناوي في آب/أغسطس 2026 ليفتح الملف من جديد، قبل أن يذهب The Grayzone إلى حد وصف «جنود الرب» بأنها «ميليشيا صحناوي»، مستنداً إلى تلك التقارير والشهادات عن وجود أعضائها أمام المصارف وصلتهم بالحراسة.

هذا الوصف الأخير أشد مما تسمح لنا الأدلة المستقلة باستخدامه بصيغة جازمة.

فما لدينا هو مجموعة قرائن: عناصر شوهدوا مراراً عند منشآت SGBL، ومصادر داخل المصرف نسبت بعضهم إلى المجموعة الأمنية لصحناوي، ومقر للجماعة في المبنى الذي يقيم فيه والده. وفي المقابل، هناك نفي مباشر من مكتب صحناوي.

هذه القرائن لا تكفي لإثبات علاقة تنظيمية أو مالية بين صحناوي والجماعة، لكنها تجعل طبيعة الصلات التي تحدثت عنها المصادر السابقة سؤالاً مشروعاً للتحقيق، لا نتيجة يمكن لـ«أثر» الجزم بها.

من ثيودور إلى المنصة: حين تتقاطع الخيوط

من ثيودور إلى المنصة: حين تتقاطع الخيوط

عندما توضع هذه الخيوط إلى جانب ما ثبت سابقاً من التمويل والعلاقات والتعاون المؤسسي مع جهات إسرائيلية، تتشكل أمام التحقيق مجموعة من الوقائع المتتابعة التي يصعب فهم دلالتها من خلال صورة العشاء وحدها.

في حزيران/يونيو 2025، ظهر اسم أنطوان صحناوي في تمويل المبادرة الأميركية ـ الإسرائيلية للأوبرا، التي قال مؤسسها إنها لم تكن لتقوم من دون مساهمته.

وفي شباط/فبراير 2026، انتقل الخيط إلى المجال الإعلامي، حين شاركت This Is Beirut، وهي منصة مرتبطة بالشبكة الإعلامية التي يدور فيها صحناوي، في ما وصفته بنفسها بأنه «أول تعاون رسمي لبناني ـ إسرائيلي» في مؤتمر ميونيخ، مع MIND Israel، المؤسسة التي يرأسها رئيس سابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وتعرف نفسها بأنها شريك في صياغة وتنفيذ سياسة الأمن القومي الإسرائيلي.

وبعد شهرين، وقفت مورغان أورتاغوس إلى جانب صحناوي، وتحدثت أمامه عن انحداره من عائلة من «الصهاينة المسيحيين اللبنانيين» وعن تربيته على دعم إسرائيل، وأشادت بتمويله مشروع الأوبرا.

ثم، في تموز/يوليو، ظهر إلى مائدة يشارك فيها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت متابعة النشاط الإعلامي عن مستوى آخر من المسار: منصة تعلن رسمياً أنها تطمح إلى السلام بين لبنان وإسرائيل، وتتعاون مؤسساتياً مع جهة إسرائيلية تعمل على ملفات التطبيع والاندماج الإقليمي، وتفتح صفحاتها لمقال يدعو العرب صراحة إلى «التصالح مع الصهيونية».

وإلى جانب هذه الوقائع، ظهرت خيوط أخرى أقل حسماً: تقاطع إعلامي وسياسي مع دعوات أميركية إلى تضييق الخناق على جمعية «القرض الحسن»، وأسئلة لم تحسم حول طبيعة الصلات بين «جنود الرب» ودائرة صحناوي ومؤسساته المصرفية.

وفي الحالتين، لا تسمح الأدلة المتاحة حتى الآن بالقول إن صحناوي أصدر أوامر مباشرة أو أدار هذه التحركات بنفسه.

لذلك، فإن الجزء الأكثر صلابة في المسار يبقى في الوقائع الموثقة: التمويل، والعلاقات، والتعاون المؤسساتي، والتصريحات العلنية، وصولاً إلى صورة واشنطن.

وهنا ينتقل التحقيق من سؤال: ما الذي حدث؟

إلى سؤال أكثر حساسية في لبنان:

متى تتحول هذه المواقف والعلاقات والتمويلات من خيار سياسي شخصي إلى أفعال تدخل في نطاق ما يحظره القانون اللبناني؟

وهذا هو السؤال الذي حملناه إلى المحامية مي صبحي الخنساء.


يتبع مباشرة في الجزء الثاني: «من الصورة إلى القضاء اللبناني» وصولاً إلى الخاتمة النهائية لفك شيفرة «ما وراء الصورة» مع نتنياهو.