← العودة إلى التحقيقات
فساد

قصة الأسلحة في حقائب المسافرين إلى لبنان

ضياء أبو طعام 2026-08-08 6,318 مشاهدة

في مطار هيثرو في بريطانيا، تم توقيف ثلاثة مسافرين لبنانيين بعد تفتيش حقائبهم والعثور على أسلحة وعتاد وقطع مسدسات فيها، ليتبيّن أنهم يعملون لصالح شخص لبناني يعيش في الولايات المتحدّة الأميركية. القصة لغاية الآن كانت قضية تهريب روتينية تحصل مئات المرات في مطارات العالم، لكن ما حصل لاحقاً كان مفاجئاً!!! السلطات البريطانية تلقّت إشعاراً من رئيس جهاز أمن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت العميد فادي كفوري المقرّب من حزب القوات اللبنانية، يبلغها بأن هذه الأسلحة هي لصالح السلطة اللبنانية وبعلمها. ليفتح ذلك باباً واسعاً أمام سؤال كبير: ماذا يحصل في مطار بيروت تحت إدارة كفوري؟

قصة الأسلحة في حقائب المسافرين إلى لبنان

من هيوستن إلى بيروت مروراً بهيثرو... أسلحة في حقائب مدنيين، ورسالة من مسؤول أمني لبناني، وصمت رسمي يترك الأسئلة معلّقة

لم يكن من المفترض أن تُفتح الحقائب في لندن.

كانت الرحلة، كما توحي المعلومات المتداولة في الملف، مجرد محطة عبور بين مدينة هيوستن الأميركية وبيروت. ثلاثة موظفين لبنانيين، حقائب سفر عادية، ورحلة يفترض أن تنتهي عند بوابة الوصول في مطار رفيق الحريري الدولي.

لكنّ ما عثرت عليه السلطات البريطانية داخل الحقائب لم يكن ملابس أو أجهزة إلكترونية.

كانت هناك بنادق، وأجزاء أسلحة، ومكوّنات مرتبطة بمسدسات حربية.

في تلك اللحظة، لم تعد المسألة تتعلق بمسافرين أخطأوا في التصريح عن محتويات أمتعتهم. تحولت الحقائب إلى ملف أمني عابر للحدود، يمتد من الولايات المتحدة إلى بريطانيا ثم لبنان، ويطرح أسئلة عن مصدر السلاح، والجهة التي طلبته، والطريقة التي كان سيعبر بها مطار بيروت، والدور الذي قد يكون أدّاه مسؤولون في جهاز أمن المطار.

وتزداد القضية خطورة مع ظهور رسالة منسوبة إلى رئيس جهاز أمن مطار رفيق الحريري الدولي، العميد فادي كفوري، قيل إنها وُجهت إلى الجانب البريطاني لتأكيد أن الأسلحة كانت معروفة من السلطات اللبنانية، وأنها مرسلة على سبيل الهبة إلى أجهزة أمنية.

غير أن الرسالة التي استُخدمت للدفاع عن الموقوفين قد تكون هي نفسها الوثيقة التي نقلت القضية من مستوى المخالفة الفردية إلى شبهة وجود مسار منظّم لإدخال أسلحة داخل حقائب مسافرين.

فإذا كانت الأسلحة هبة رسمية، أين موافقات التصدير والاستيراد؟ ولماذا لم تُشحن عبر قناة عسكرية أو دبلوماسية أو تجارية مرخصة؟ وإذا كانت الدولة تعلم بوصولها، فهل كان سيجري تفتيش الحقائب في بيروت؟ ومن كان سيتسلّمها بعد خروجها من المطار؟

أما السؤال الأكبر فهو: هل كانت هذه الرحلة حالة منفردة، أم أنها كُشفت مصادفة بعدما نجحت رحلات أخرى في الوصول إلى بيروت من دون أن تُفتح حقائبها؟

محطة العبور التي قلبت الرحلة

في الثاني من أيار/مايو 2026، أوقفت السلطات البريطانية في مطار هيثرو ثلاثة لبنانيين كانوا قادمين من الولايات المتحدة ومتجهين إلى بيروت، بحسب محاضر نُسبت إلى تحقيقات الشرطة البريطانية ونشرتها منصة «المحطة».

وذكرت المواد المنشورة أن الموقوفين يعملون لدى شركة أميركية في مجال تكنولوجيا المعلومات، وأن السلطات البريطانية عثرت في أمتعتهم على أسلحة وقطع عسكرية يُفترض أنها كانت في طريقها إلى لبنان. وقدّمت «المحطة» القضية بوصفها عملية نقل غير قانونية تمت تحت غطاء تقديم هبات إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية اللبنانية.

وبحسب الرواية المنشورة، لم يكن الموقوفون الثلاثة مالكي الأسلحة أو المستفيدين النهائيين منها، بل ناقلين يعملون لدى شركة يرأسها رجل أعمال لبناني في الولايات المتحدة.

هنا تبدأ أولى حلقات الغموض.

فالعثور على السلاح بحوزة مسافرين لا يجيب وحده عن السؤال الأساسي: من قرر وضعه في الحقائب؟ ومن اشترى الأسلحة؟ ومن طلب نقلها؟ ومن كان ينتظرها في بيروت؟

لا تزال الإجابات المتاحة مستندة في معظمها إلى مقتطفات وتقارير إعلامية تتحدث عن محاضر بريطانية. ولم تتمكن «أثر» حتى إعداد هذه الصياغة من الاطلاع على نسخة رسمية كاملة مصدّقة من الملف القضائي البريطاني، أو على بيان علني صادر عن الشرطة البريطانية يوضح طبيعة المضبوطات والوصف القانوني للتهم.

وهذا التحفظ لا يلغي خطورة المعلومات المنشورة، لكنه يمنع التعامل معها باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً.

موظفون أم ناقلو سلاح؟

موظفون أم ناقلو سلاح؟

موظفون أم ناقلو سلاح؟

وفق الرواية التي نشرتها «المحطة»، كان المسافرون الثلاثة مرتبطين بشركة ScoNet الأميركية، التي تنشط في مجال خدمات تكنولوجيا المعلومات وتتخذ من ولاية تكساس مقراً لها.

وتقول التحقيقات المتداولة إن الأسلحة لم تكن ملكاً شخصياً للموقوفين، بل وضعها أو أرسلها رئيس الشركة، رجل الأعمال اللبناني ميشال يمّين، لتُنقل إلى لبنان.

وإذا صحت هذه الرواية، فإن العلاقة الوظيفية بين صاحب الشحنة والناقلين تفتح باباً إضافياً للتحقيق: هل طُلب من موظفين مدنيين حمل أسلحة إلى بلدهم ضمن مهمة عمل؟ وهل كانوا يعرفون كامل محتويات الحقائب؟ وهل قُدمت إليهم مستندات توهمهم بأن عملية النقل قانونية؟

تفيد المواد المنشورة بأن إفادات الموقوفين لم تكن متطابقة تماماً بشأن معرفتهم المسبقة بالسلاح. كما نُسب إلى التحقيقات أنها تحدثت عن عمليات سابقة، وعن طريقة استقبال خاصة في مطار بيروت تضمن عدم إخضاع الحقائب للإجراءات الاعتيادية.

لكن هذه الادعاءات تحتاج، حتى تتحول إلى أدلة، إلى مطابقتها مع سجلات الرحلات السابقة، وبيانات دخول المسافرين، وكاميرات المطار، ومحاضر الجمارك، وأسماء العناصر الذين تولوا استقبالهم.

فهناك فرق جوهري بين أن يقول مشتبه فيه إن ترتيبات كانت موجودة، وبين أن تثبت السجلات الرسمية أن حقائبه عبرت فعلاً من دون تفتيش.

الرسالة التي حاولت إنقاذ الموقوفين

الرسالة التي حاولت إنقاذ الموقوفين

بعد توقيف المسافرين، ظهرت في الملف رسالة منسوبة إلى رئيس جهاز أمن مطار بيروت العميد فادي كفوري، قيل إنها أُرسلت في 11 أيار/مايو إلى المحكمة أو السلطات البريطانية عن طريق محامي الموقوفين.

وبحسب ما نُشر عن مضمونها، أكدت الرسالة أن المواد أرسلها ميشال يمّين على سبيل التبرع إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية، وأن الجهات المعنية في لبنان كانت على علم بالعملية، وأن الموقوفين تصرفوا بحسن نية.

كما أشارت المواد المتداولة إلى أن جهة أمنية في مطار بيروت كانت ستتولى استلام الشحنة عند وصولها.

ظاهرياً، تبدو الرسالة محاولة لرفع الشبهة الجرمية عن ثلاثة موظفين عبر القول إنهم لم يكونوا أعضاء في شبكة تهريب، بل ناقلي هبة أمنية معروفة.

لكنّ مضمونها، إذا ثبتت صحته، يطرح مشكلة أعمق.

فالرسالة تعني أن نقل السلاح لم يكن مبادرة شخصية نفذها المسافرون من دون علم أحد في لبنان. وهي تربط، بالحد الأدنى، مسؤولاً أمنياً رفيعاً بمعرفة مسبقة بالشحنة أو بالجهة التي ستتسلمها.

وهنا لا يعود السؤال مقتصراً على نية الناقلين، بل ينتقل إلى قانونية المسار كله.

هل يملك رئيس جهاز أمن المطار صلاحية السماح بإدخال أسلحة أو الموافقة على استقبالها؟ وهل تكفي رسالة لاحقة لتصحيح عملية نقل لم تمر، وفق ما ظهر حتى الآن، بقنوات التصدير والاستيراد الرسمية؟

الهبة لا تلغي القانون

الهبة لا تلغي القانون

في الرواية الدفاعية، كانت الأسلحة هبة مقدمة إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية اللبنانية.

لكن وصف الشحنة بأنها «هبة» لا يحسم قانونيتها.

فالأسلحة ليست أجهزة حاسوب أو معدات مكتبية يمكن لمتبرع وضعها في حقائب موظفيه وإرسالها إلى جهة رسمية. إنها مواد تخضع لرقابة مشددة في بلد المنشأ، وفي دول العبور، وفي بلد الاستيراد.

ويُفترض أن يُظهر المسار القانوني، بحسب طبيعة السلاح والجهات المعنية، سلسلة متكاملة من الوثائق، في مقدمتها:

موافقة الجهة اللبنانية المستفيدة، وتحديد نوع الهبة وكميتها، وإجازة تصدير من الولايات المتحدة، ومستندات شحن واضحة، وموافقة استيراد لبنانية، وتصريح جمركي، ثم محضر تسليم رسمي.

حتى الآن، لم تُعرض أمام الرأي العام هذه السلسلة.

لم يظهر كتاب رسمي صادر قبل الرحلة عن الجيش اللبناني يطلب الأسلحة أو يقبل الهبة. ولم تُنشر إجازة التصدير الأميركية، أو موافقة الاستيراد اللبنانية، أو بيان يحدد الأرقام التسلسلية للأسلحة والجهة التي كان يفترض أن تدخل إلى عهدتها.

وعليه، فإن القول إن الأسلحة كانت مخصصة لجهاز رسمي قد يفسر وجهتها المفترضة، لكنه لا يثبت قانونية طريقة نقلها.

بل إن محاولة تقديم الشحنة باعتبارها هبة تطرح سؤالاً أكثر حساسية: هل استُخدم اسم الجيش أو الأجهزة الأمنية غطاءً لتسهيل عملية لم تستوفِ شروطها القانونية؟

لا يمكن الجزم بذلك من دون وثائق، لكن لا يمكن أيضاً إغلاق الملف بمجرد رفع شعار «مساعدة الأجهزة الأمنية».

لماذا الحقائب؟

لماذا الحقائب؟

هذا هو السؤال الذي لم تجب عنه رواية الدفاع بصورة مقنعة.

إذا كانت الجهة المرسلة معروفة، والجهة المستفيدة رسمية، والسلاح مشروعاً، فلماذا اختيرت حقائب المسافرين؟

لماذا لم تُرسل المواد بواسطة شركة متخصصة ومرخصة؟ ولماذا لم تُنقل في شحنة عسكرية معلنة؟ ولماذا لم تتولَّ السفارة اللبنانية أو الملحقية العسكرية أو جهة رسمية إجراءات النقل؟

إن وضع أسلحة داخل أمتعة مدنية لا يمثل مجرد تفصيل لوجستي.

هذه الطريقة تخفي طبيعة الشحنة عن شركات الطيران، وسلطات المطارات، وأجهزة الجمارك، وربما عن بعض الناقلين أنفسهم. وهي تسمح بمرور السلاح خارج نظام التتبع الذي يفترض أن يرافق انتقاله من مالك إلى آخر.

لذلك، حتى في أفضل السيناريوهات بالنسبة إلى الأطراف المعنية، نكون أمام عملية نفذت خارج الأصول، وباستخدام مدنيين لنقل مواد عسكرية عبر أكثر من دولة.

أما في أسوأ السيناريوهات، فقد تكون «الهبة» غطاءً لمسار منتظم يعتمد على أشخاص قادرين على تجاوز التفتيش عند الوصول إلى بيروت.

والفارق بين السيناريوهين لا تحدده البيانات السياسية، بل المستندات وسجلات المطار.

من كان سيفتح الطريق في بيروت؟

تتضمن الرواية الاتهامية ادعاءً بأن الموقوفين كانوا يتوقعون معاملة خاصة عند وصولهم إلى مطار بيروت، وأن أشخاصاً مرتبطين بجهاز أمن المطار كانوا سيتولون استقبالهم أو إخراج حقائبهم من دون التفتيش المعتاد.

إذا ثبت ذلك، نكون أمام العنصر الأشد خطورة في القضية.

فوجود مسؤول أو عنصر أمني ينتظر مسافراً لا يشكل بحد ذاته مخالفة. لكن استخدام الصلاحيات الأمنية لمنع تفتيش حقيبة تحتوي على سلاح يحول جهازاً يفترض أن يمنع التهريب إلى أداة لتسهيله.

وتطرح هذه الفرضية أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إعلامياً فقط:

من كان يعرف رقم الرحلة؟

هل أُرسلت أسماء المسافرين مسبقاً إلى عناصر المطار؟

هل صدرت تعليمات شفهية أو مكتوبة بعدم تفتيشهم؟

هل تظهر كاميرات رحلات سابقة استقبالهم من داخل المنطقة المقيدة؟

هل دخلت حقائبهم عبر مسار كبار الشخصيات أو عبر بوابة لا تمر بالجمارك؟

وهل توجد سجلات تثبت تسليم محتويات الرحلات السابقة إلى مؤسسة عسكرية، أم أن أثرها ينقطع بمجرد مغادرتها المطار؟

من دون إجابات عن هذه الأسئلة، تبقى القضية عالقة بين روايتين: هبة سيئة التنظيم، أو خط سري لإدخال السلاح.

رواية مضادة: استهداف قائد أمن المطار

رواية مضادة: استهداف قائد أمن المطار

في الرابع والعشرين من تموز/يوليو 2026، عرضت قناة MTV - المقرّبة من السفارة الأميركية في لبنان - رواية دفاعية اعتبرت أن الاتهامات جزء من حملة سياسية تستهدف العميد كفوري.

وقالت القناة إنها تكشف «بالوثائق والأدلة» حقيقة الحملة عليه، مقدمة القضية في سياق صراع على إدارة الأمن داخل المطار، ولا سيما بعد إجراءات اتخذها لمنع موظفين أو أفراد غير مخولين من الوصول إلى منشآت حساسة.

وتزامن تفجر الملف مع سجال سياسي وطائفي بشأن إجراءات أمنية اتخذت في المطار، واتهامات لكفوري بالتمييز ضد موظفين شيعة، مقابل رواية تقول إن الإجراءات هدفت إلى ضبط الوصول إلى منشآت الرادار والمواقع الأمنية.

لا يمكن تجاهل هذا السياق.

فالمطار واحد من أكثر المواقع حساسية في الصراع السياسي والأمني اللبناني، وأي تغيير في توازن السيطرة داخله يستدعي حملات متبادلة وتسريبات واتهامات.

لكن وجود حملة سياسية محتملة لا يعني تلقائياً أن الوثائق المتعلقة بالأسلحة ملفقة.

كما أن صحة بعض الاتهامات الموجهة إلى كفوري لا تعني أن كل ما يُقال عنه صحيح.

المنهج الاستقصائي يقتضي فصل مسارين قد يتقاطعان من دون أن يكون أحدهما دليلاً على الآخر:

الأول، صراع سياسي وأمني حقيقي على إدارة المطار.

والثاني، واقعة توقيف مسافرين يحملون أسلحة، وظهور رسالة من مسؤول في أمن المطار تتحدث عن علم جهة لبنانية بالشحنة.

قد تُستخدم الواقعة في تصفية حساب سياسي، لكن الاستخدام السياسي لا يلغي ضرورة التحقيق في أصل الواقعة.

وثيقة دفاع أم دليل معرفة؟

قدّمت رواية الدفاع الرسالة المنسوبة إلى كفوري بوصفها دليلاً على حسن النية: مسؤول أمني لا يخفي العملية، بل يتدخل رسمياً لشرح أنها هبة.

أما رواية الاتهام فترى أن الرسالة تثبت علمه بالشحنة وتواصله مع مرسلها والجهة التي كانت ستستقبلها.

الحقيقتان لا تتناقضان بالضرورة.

يمكن أن يكون كفوري قد اعتقد أن الأسلحة مخصصة فعلاً للأجهزة الأمنية، وفي الوقت نفسه يكون قد سهّل أو غطى طريقة نقل مخالفة للقانون.

ويمكن أيضاً أن تكون رسالته مبنية على معلومات وصلته بعد التوقيف، لا على علم سابق بالعملية.

وحدها النسخة الأصلية الكاملة من الرسالة، ومراسلات ما قبل الرحلة، قادرة على حسم ذلك.

متى علم كفوري بالشحنة؟ قبل مغادرتها الولايات المتحدة، أم بعد توقيف المسافرين؟

هل كانت لديه لائحة بأنواع الأسلحة وأرقامها؟

هل تواصل مع ميشال يمّين قبل الرحلة؟

هل أصدر تعليمات إلى عناصر أمن المطار باستقبال المسافرين؟

وهل توجد مراسلات سابقة مشابهة تتعلق برحلات أخرى؟

هذه ليست تفاصيل ثانوية. إنها الخط الفاصل بين مسؤول حاول معالجة أزمة بعد وقوعها، ومسؤول كان جزءاً من التخطيط للعملية.

أين الجيش اللبناني؟

يحضر اسم الجيش في الملف باعتباره المستفيد المفترض من الأسلحة، لكنه يغيب عن الوثائق العلنية التي يمكن أن تحسم الأمر.

حتى إعداد هذا التحقيق، لا يتوافر بيان رسمي واضح يجيب عن أسئلة أساسية:

هل طلب الجيش هذه الأسلحة؟

هل وافق على قبولها؟

هل كان يعرف أسماء ناقليها؟

هل كلّف جهاز أمن المطار باستلامها؟

هل وصلت إليه هبات سابقة بالطريقة نفسها؟

وهل يملك قيوداً تتضمن أنواع الأسلحة وأرقامها التسلسلية؟

إن عدم صدور جواب واضح لا يثبت وجود جريمة، لكنه يوسع منطقة الشبهة.

فإذا أكد الجيش أنه طلب الهبة وقدم مستنداتها، تنتقل القضية إلى التحقيق في سبب مخالفة آلية النقل للأصول.

أما إذا نفى علمه بالشحنة، تصبح الإشارة إلى اسمه في الرسالة أو في إفادات الموقوفين بحاجة إلى تحقيق قضائي مستقل.

وفي الحالتين، لا يكفي الصمت.

الصمت الذي يحمي الجميع

الصمت الذي يحمي الجميع

بعد نشر القضية، لم يظهر تحقيق لبناني علني يشرح للرأي العام ما جرى.

لم تعلن وزارة الداخلية نتائج تحقيق إداري في دور جهاز أمن المطار. ولم تنشر المؤسسة العسكرية توضيحاً مفصلاً بشأن الهبة المزعومة. ولم تتحرك النيابة العامة، بصورة معلنة على الأقل، لطلب الملف البريطاني أو استجواب الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيه.

وأشار تقرير منشور في 29 تموز/يوليو إلى أن الجهات الرسمية اللبنانية لم تكن قد قدمت توضيحاً عاماً بشأن ما إذا كان تحقيق قد بدأ في بيروت.

قد تكون هناك تحقيقات سرية لا يُعلن عنها لحماية الإجراءات القضائية. لكنّ استمرار الصمت في قضية تمس أمن المطار وسمعة الجيش ومسار إدخال السلاح يخلق انطباعاً بأن الدولة تفضّل إدارة الملف بالتوازنات السياسية لا بالقانون.

وهذا الصمت يفيد الأطراف جميعاً.

يفيد المتهمين لأنه يمنع تثبيت مسؤوليات محددة.

ويفيد خصومهم لأنه يترك المجال مفتوحاً لتضخيم الاتهامات.

ويحول دون معرفة ما إذا كانت البلاد أمام خطأ إداري خطير، أم أمام شبكة فعلية لإدخال السلاح.

مخالفة... أم جريمة؟

يمكن، استناداً إلى المعلومات المتاحة، التمييز بين ثلاث درجات محتملة للمسؤولية.

أولاً: نقل غير نظامي لهبة مشروعة

في هذا السيناريو، تكون الأسلحة مخصصة فعلاً لمؤسسة أمنية، لكنّ أصحاب المبادرة اختاروا طريقاً مختصراً وغير قانوني، ظناً منهم أن الغاية الرسمية تبرر الوسيلة.

حتى هنا، تبقى هناك مسؤوليات محتملة عن نقل أسلحة من دون التصاريح المطلوبة، وتعريض مسافرين وطائرات ومطارات لمخاطر قانونية وأمنية، ومحاولة تجاوز إجراءات الجمارك.

ثانياً: إساءة استخدام السلطة

يتحقق هذا السيناريو إذا ثبت أن مسؤولين أمنيين استخدموا مواقعهم لإعفاء ناقلي السلاح من التفتيش، أو لإخراج الحقائب خارج المسار الجمركي.

عندها لا تعود القضية مخالفة في طريقة الشحن فقط، بل تصبح شبهة استغلال للوظيفة وتسهيل لإدخال مواد عسكرية خارج رقابة الدولة.

ولا يغيّر من ذلك أن المستفيد المفترض جهاز رسمي، لأن الأجهزة نفسها لا تستطيع استلام الأسلحة خارج الأصول القانونية.

ثالثاً: خط منظم لتهريب الأسلحة

هذا هو الاتهام الأشد، ولا يمكن اعتباره ثابتاً من المواد المنشورة وحدها.

يتطلب إثباته العثور على رحلات سابقة، وعمليات شراء متكررة، ومراسلات تنسيق، وأشخاص يتولون استقبال الحقائب، ووجهة نهائية لا تتطابق مع الجهة الرسمية المعلنة.

من دون ذلك، تبقى عبارة «شبكة تهريب» توصيفاً اتهامياً يحتاج إلى أدلة إضافية.

ما الذي يمكن إثباته حتى الآن؟

تسمح الروايات والمواد المنشورة بتكوين مجموعة من الوقائع أو المؤشرات ذات الصدقية الأولية:

هناك واقعة توقيف معلنة إعلامياً لثلاثة لبنانيين في بريطانيا بعد العثور على أسلحة أو قطع منها في حقائبهم.

هناك صلة بين الناقلين وشركة أميركية يديرها رجل أعمال لبناني.

هناك رسالة منسوبة إلى العميد فادي كفوري تتحدث عن أن المواد كانت تبرعاً للأجهزة الأمنية اللبنانية.

وهناك غياب علني، حتى الآن، لسلسلة متكاملة من تراخيص التصدير والاستيراد ومستندات الشحن والاستلام.

لكن ما لم يثبت بعد لا يقل أهمية:

لم يثبت أن كفوري كان يتاجر بالسلاح لمصلحة شخصية.

ولم يثبت أن الأسلحة كانت مخصصة لحزب سياسي أو مجموعة مسلحة.

ولم يثبت علناً أن الجيش طلب الشحنة أو وافق على نقلها بهذه الطريقة.

ولم تثبت العمليات السابقة المزعومة بوثائق رحلات وتسليم.

كما لم يثبت أن المسافرين كانوا سيخرجون من مطار بيروت من دون تفتيش، على الرغم من خطورة الإفادات المنسوبة إليهم في هذا الشأن.

تحقيق «أثر»: الفرضية الأقرب

تحقيق «أثر»: الفرضية الأقرب

تكشف المعطيات المتاحة أن أصل القضية حقيقي وجدي، وليس مجرد شائعة سياسية.

ثمة أسلحة نُقلت، أو حاولت جهة نقلها، داخل حقائب مسافرين مدنيين. وثمة مسؤول أمني لبناني ورد اسمه في سياق تبرير العملية وربطها بهبة إلى الأجهزة الأمنية.

لكن المواد المنشورة لا تكفي حتى الآن لإدانة العميد فادي كفوري باعتباره مدير شبكة تهريب سلاح.

الفرضية المدعومة أكثر من غيرها هي أن عملية إدخال أسلحة إلى لبنان نُفذت خارج القنوات القانونية، تحت عنوان تقديم مساعدة أو هبة لجهاز رسمي، وبمعرفة أفراد يملكون نفوذاً أو صلات داخل مطار بيروت.

هذه الفرضية، إن ثبتت، لا تمثل خطأ بسيطاً.

فإدخال السلاح خارج الأصول، حتى إلى جهة رسمية، يضرب نظام الرقابة الذي يفترض أن يحمي الدولة من السلاح غير الشرعي. كما يخلق ممراً يمكن استخدامه لاحقاً لغايات مختلفة، ويجعل التفريق مستحيلاً بين «هبة» صادقة وشحنة موجهة إلى جهة غير معلنة.

أما فرضية وجود شبكة منظمة ومتكررة، فتظل ممكنة لكنها لم تكتمل أدلتها.

الحسم يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت هذه الرحلة الأولى، أو الرحلة الأولى التي انكشفت.

الأسئلة التي يخشاها الملف

يمكن لوثائق محددة أن تنهي السجال كله:

أين النسخة الأصلية الكاملة من محاضر الشرطة البريطانية؟

ما الوصف الدقيق للأسلحة وأرقامها التسلسلية ومصدر شرائها؟

من دفع ثمنها؟

هل أصدرت الولايات المتحدة رخصة لتصديرها؟

هل طلبها الجيش اللبناني أو وافق خطياً على قبولها؟

متى علم العميد كفوري بالشحنة؟

من كان سيستقبل المسافرين في مطار بيروت؟

وهل دخلت شحنات سابقة بالطريقة نفسها؟

حتى تظهر هذه الوثائق، ستبقى كل جهة قادرة على انتقاء الجزء الذي يخدم روايتها.

سيقول المدافعون عن كفوري إنه حاول مساعدة أجهزة الدولة.

وسيقول خصومه إن الرسالة تثبت تورطه.

لكن الحقيقة لا توجد كاملة في أي من الروايتين.

الحقيقة موجودة في سجلات الرحلات، ومراسلات ما قبل السفر، وتراخيص السلاح، وكاميرات مطار بيروت، وقيود الجيش والجمارك.

الخلاصة: من يغطّي المخالفة... وربما الجريمة؟

الخلاصة: من يغطّي المخالفة... وربما الجريمة؟

لا يحتاج هذا الملف إلى حملة سياسية جديدة، بل إلى تحقيق قضائي يتجاوز الاصطفافات.

فإذا كانت الأسلحة هبة رسمية، يجب على الدولة أن تنشر ما يثبت ذلك، وأن تشرح لماذا اختيرت حقائب المسافرين بديلاً من قنوات النقل القانونية، ومن سمح بهذه الآلية، ومن يتحمل مسؤوليتها.

وإذا لم تكن هناك هبة موثقة، فعلى القضاء أن يحدد من استخدم اسم الجيش أو الأجهزة الأمنية غطاءً للشحنة، ومن كان سيستلمها بعد وصولها.

أما إبقاء القضية معلقة بين تقرير اتهامي وتقرير دفاعي، فهو في حد ذاته نوع من التغطية.

تغطية على مخالفة تبدو، وفق المعلومات المنشورة، شبه مؤكدة في طريقة نقل السلاح.

وربما تغطية على جريمة أكبر، إذا أثبت التحقيق أن الرحلة لم تكن حالة منفردة، وأن داخل مطار بيروت من كان يفتح ممراً لحقائب لا ينبغي أن تُفتح.

في هيثرو، فُتحت الحقائب مصادفة أو بفعل إجراءات أمنية.

أما في بيروت، فلا يزال الملف كله مغلقاً.

المعطى الرسمي الوحيد في كل هذا الملف الخطر والحساس، أن رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، إستقبل بتاريخ 02/08/2026 العميد المثير للجدل في هذه القضية فادي كفوري، ليطّلع منه على الإجراءات المتّبعة في مطار بيروت، واثنى على الجهود التي يبذلها في اطار المهام الموكلة إلى الجهاز، مؤكدا دعمه للإجراءات المتخذة للمحافظة على امن المطار وسلامة المسافرين والقادمين والعاملين فيه!!!

فهل الغطاء رسمي داخلي من مستويات رفيعة في الدولة؟ وهذه مصيبة.

أم أن الغطاء دبلوماسي خارجي بات يمارس الوصاية بأسلوب مافيات التهريب؟ وهنا المصيبة أعظم.

المهم، أن لا يصمت الجميع، خصوصاً في مجلس النواب، وإلا، فعلى روح لبنان ومؤسساته: الفاتحة.