في محاولة لفهم ما جرى في صحراء النجف، أجرى فريق "أثر" على مدى أسابيع سلسلة اتصالات ومراسلات بعشرات الشخصيات الرسمية والمكاتب الإعلامية لمؤسسات حكومية ونواب من مختلف التيارات السياسية العراقية.
كل الصمت والامتناع عن التعليق حول حقيقة ما جرى خلال شهر آذار/مارس 2026 أفضى إلى حقيقة واحدة: لا توجد رغبة لدى أي تيار سياسي في الحديث عن الموضوع بالغ الحساسية، ربما لمصالح سياسية، وربما لتجنّب التورط في تقديم أي معلومة أو التورّط في الإجابة عن أسئلة، قد تكون محرجة.
بعدها إنتقل الفريق لمسار التواصل مع مصادر المقاومة العراقية.
أحد الوسطاء في العراق أمّن وسيلة تواصل مع الناطق باسم "سرايا أولياء الدم" أبو مهدي الجعفري، الذي طلب الأسئلة مكتوبة.
في غضون أيام، وصلت الإجابات التي قدم فيها "الجعفري" رواية تفصيلية حول الحادثة التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الروايات تداولاً في الأوساط الأمنية والسياسية العراقية.
يقول "الجعفري" إن بداية القصة لم تكن من جهاز استخباري، ولا من منظومة مراقبة عسكرية متطورة، بل فعلاً كما أشيع، من راعٍ عراقي كان يتنقل في عمق الصحراء. ويؤكد بأن الراعي "الشمّري" أبلغ السلطات العراقية بوجود عملية إنزال غامضة في المنطقة، الأمر الذي دفع جهات مرتبطة بالحشد الشعبي إلى نقل المعلومات إلى القيادات العسكرية العراقية المختصة.
ويؤكد "الجعفري" أن الحشد الشعبي لم يتحرك بصورة مستقلة، بل التزم بالتسلسل العسكري الرسمي، موضحاً أن الأمر وصل إلى قيادة العمليات ورئاسة أركان الجيش العراقي.
ويقول: "إن حقيقة وجود قاعدتين إسرائيليتين في صحراء النجف أمر وارد جداً، بدليل الراعي الذي أخبر السلطات العراقية بوجود إنزال، وأبلغ منتسبي الحشد بما شاهده. وبعد أن نُقلت المعلومات إلى القيادات الموجودة في قاطع العمليات، لم يتحرك الإخوة في الحشد إلا بأمر الجيش العراقي، لأن الحشد لا يعالج مثل هذه القضايا من دون موافقة القيادة العسكرية الرسمية."
وبحسب "الجعفري"، فإن رئيس أركان الجيش العراقي آنذاك "عبد الأمير يار الله" رفض السماح للحشد بالتوجه إلى الموقع بسبب حساسية الموضوع، وقرر أن تتولى قوة من الجيش العراقي وحرس الحدود مهمة التحقق من البلاغ.
لكن ما حدث لاحقاً، وفق الرواية نفسها، كان مفاجئاً.
يقول "الجعفري" إن القوة العراقية لم تتمكن من الوصول إلى المكان، فما إن اقتربت من الموقع حتى تعرضت لقصف عنيف.
ويضيف: "مجرد أن اقتربت القوة من المنطقة، بدأت تتعرض لقصف بالمدفعية الثقيلة. وعلى أثر هذا القصف استشهد أحد المنتسبين وجُرح اثنان آخران، واضطرت القوة إلى التراجع والعودة."
ولم يؤكد "الجعفري" أو ينفِ حقيقة مقتل الشاهد الوحيد أثناء ذلك القصف أو بعده.
هذه الرواية تفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة الصعبة.
من هي الجهة التي كانت موجودة في المنطقة؟ ومن الذي امتلك القدرة على حماية الموقع بالنيران ومنع القوات العراقية الرسمية من الاقتراب منه؟
أعاد الفريق مرّة أخرى التواصل مع "أبو معهدي الجعفري" عبر الوسيط للحصول على المزيد من التوضيحات. أيامٌ إضافية ووصلت الإجابات ثانيةً.
ربط "الجعفري" الإجابة على هذه الأسئلة بملف السيادة الجوية. بحسب رأيه، فإن العراق لا يمتلك السيطرة الكاملة على مجاله الجوي.
ويقول: "بكل صراحة، العراق ما زال بلداً محتلاً. لا يوجد عندنا رصد جوي حقيقي، ولا توجد لدينا رادارات مستقلة. الرادارات كلها بيد الأمريكيين، وأحياناً يعطون الحكومة العراقية جزءاً من المعلومات للاستخدام المدني أو غير ذلك."
ويمضي أبعد من ذلك عندما يعتبر أن هذا الواقع هو الذي يسمح بحدوث مثل هذه الاختراقات، التي تثبت مرّة أخرى أن السيادة العراقية تقع تحت تهديد مباشر من الاحتلال الأميركي غير المعلن.
ويضيف: "الأجواء كلها بيد الأمريكيين، والحكومة العراقية عاجزة عن فعل أي شيء، لأنهم يهددونها بالعزلة الدولية والعقوبات وقطع الدولار."
ولا يربط "الجعفري" الحادثة بمشروع "إسرائيل الكبرى" بقدر ما يربطها بالمواجهة الإقليمية مع الجمهورية الإسلامية في إيران. وبحسب رؤيته، فإن "الهدف الأساسي من هذه المواقع المحتملة يتمثل في مراقبة واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة المرتبطة بمحور المقاومة".
كما يطرح فرضيتين إضافيتين؛ الأولى استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد دول الجوار ثم تحميل مسؤوليتها لفصائل المقاومة، والثانية استهداف منشآت نفطية عراقية وإلصاق التهمة بالقوى المسلحة العراقية أو بالحرس الثوري الإيراني.
هذه المعطيات والاستنتاجات – برغم أهميتها وحصريتها على ساحة التصريحات العراقية - تبقى ضمن إطار تقديرات المصدر ورؤيته السياسية والأمنية، إذ لم يتمكن فريق التحقيق من العثور على أدلّة مستقلة تؤكدها.
ويكشف الجعفري أيضاً أن السلطات العراقية عادت إلى الموقع بعد أكثر من شهر من الحادثة.
ويقول: " ذهبت الحكومة إلى المكان بعد أكثر من خمسة وأربعين يوماً، ولم تجد سوى بعض الأرزاق الجافة المتروكة وبعض الأعتدة التي استُخدمت في ضرب القوة العراقية.".
هنا تنتهي رواية الجعفري، لكن الأسئلة التي تطرحها لا تنتهي. وربما يكون السؤال الأكثر إثارة للانتباه في رواية "الجعفري" لا يتعلق فقط بالجهة التي كانت موجودة في الصحراء، بل بطريقة تعامل المؤسسات الرسمية مع الحادثة نفسها.
فإذا كانت السلطات العراقية قد تلقت بلاغاً عن عملية غامضة داخل أراضيها، وتعرضت قوة عسكرية عراقية للقصف أثناء محاولتها التحقق من الموقع، لماذا لم تتحرك الجهات الرسمية بصورة عاجلة للكشف عن حقيقة ما جرى؟
ولماذا احتاجت، بحسب رواية الجعفري، إلى أكثر من خمسة وأربعين يوماً للعودة إلى الموقع؟ وهل كان التأخير نتيجة صعوبات ميدانية وأمنية، أم بسبب حساسية الملف والجهات المحتمل ارتباطها به؟
أسئلة لم تقدم الحكومة العراقية إجابات واضحة عنها حتى الآن، ما يضيف مزيداً من الغموض إلى واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل في الصحراء العراقية خلال السنوات الأخيرة.
