← العودة إلى التحقيقات
أمني عسكري

الموساد والصحافة الأجنبية في لبنان: من يراقب من؟

زينب حاوي - فريق أثر 2026-07-06 665 مشاهدة

هل يستطيع جاسوس أن يعمل تحت غطاء صحفي في لبنان؟ وأين ينتهي العمل الإعلامي المشروع وأين تبدأ الشبهة الأمنية؟ يعود هذا التحقيق إلى واحدة من أشهر قضايا الموساد في العالم، مرورًا بحالات موثقة استخدمت فيها الهوية الصحفية كغطاء للعمل الاستخباراتي، ليفتح ملفًا حساسًا في لبنان حول واقع عمل الصحفيين الأجانب، والثغرات القانونية والتنظيمية التي قد تسمح باستغلال المهنة لأغراض أمنية. ويستند التحقيق إلى مقابلات مع مسؤولين رسميين، وخبراء أمنيين وصحفيين استقصائيين، وتحليل للقوانين اللبنانية، إضافة إلى تتبع مفتوح للمصادر (OSINT) ودراسة عدد من النماذج التي أثير حولها الجدل خلال السنوات الأخيرة. ولا يهدف التحقيق إلى اتهام الصحفيين الأجانب أو التشكيك بمهنيتهم، بل إلى البحث في الحد الفاصل بين الصحافة والجاسوسية، وكيف يمكن حماية الأمن الوطني، وفي الوقت نفسه حماية الصحفي الحقيقي من الاتهامات غير المستندة إلى الأدلة.

الموساد والصحافة الأجنبية في لبنان: من يراقب من؟

الموساد والإعلام الأجنبي: كيف تتحول التغطيات الإعلامية في لبنان الى أداة في الحرب، وأين تكمن إشكاليات التحقيق.

تحاول شبكة أثر في هذا التحقيق أن تفك هذه الإشكالية، والتي باتت تضع كل صحفي أجنبي في لبنان ضمن دائرة الشك، برغم حاجة اللبنانيين إلى إيصال صوتهم للجمهور في العالم جرّاء ما يتعرّضون له من عدوان وتدمير ممنهج لقراهم وبلداتهم على يد الإحتلال الاسرائيلي.

الموساد والإعلام الأجنبي: كيف تتحول التغطيات الإعلامية في لبنان الى أداة في الحرب؟

ليلهامر – النرويج، 21 تموز/يوليو 1973.

في مدينة نرويجية هادئة، كان النادل المغربي أحمد بوشيخي عائداً إلى منزله برفقة زوجته الحامل، بعد أن أنهيا مشاهدة فيلم في السينما. لم يكن يعلم أن فريقاً من عملاء الموساد كان يراقبه منذ أيام، بعدما اعتقد خطأً أنه القيادي الفلسطيني علي حسن سلامة.

خلال ثوانٍ، دوّى إطلاق النار. سقط بوشيخي قتيلاً أمام زوجته، لكن المفاجأة لم تكن في عملية الاغتيال نفسها، بل فيما كشفه التحقيق النرويجي لاحقاً.

فمن بين أفراد شبكة الموساد التي اعتُقلت كانت امرأة تعمل بهوية "باتريشيا روكسبورو"، وتتحرك في الشرق الأوسط وأوروبا تحت غطاء مصورة صحفية وصحفية مستقلة.  اسمها الحقيقي سيلفيا رافائيل، وهي عميلة موساد من أصل جنوب أفريقي استخدمت العمل الصحفي وسيلة للوصول إلى مناطق النزاع، وبناء العلاقات، وجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد أُدينت في النرويج بتهم تتعلق بجريمة ليلهامر، بينها التورط في القتل واستخدام وثائق مزورة والعمل الاستخباراتي، قبل أن تُفرج عنها لاحقاً بعد قضاء جزء من العقوبة.

لم تكن قضية سيلفيا رافائيل مجرد فصل في تاريخ الموساد، بل تحولت إلى واحدة من أشهر الأمثلة الموثقة على استخدام الغطاء الصحفي في العمل الاستخباراتي. ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال يتكرر في الأوساط الإعلامية والأمنية:

أين تنتهي مهنة الصحافة... وأين يبدأ العمل الاستخباراتي؟

هذا التحقيق لا يهدف إلى التشكيك بالصحفيين الأجانب، ولا إلى تعميم الاتهامات، بل إلى تتبع الحالات الموثقة، والوثائق، وشهادات المسؤولين، والأدبيات الاستخباراتية التي تناولت استخدام العمل الصحفي غطاءً لعمليات التجسس، وفي مقدمتها قصة سيلفيا رافائيل التي فتحت الباب أمام نقاش لا يزال مستمراً حتى اليوم.

لبنان على فوّهة بركان أمني

شهد لبنان بين عاميّ 2019 و2020 ما يمكن وصفه بـ"الإجتياح الإلكتروني" الأكبر لشبكات الموساد الإسرائيلي. دخل الأخير من بوابة سعي العديد من اللبنانيين للحصول على فرصة عمل بالعملة الصعبة (دولار أو يورو) في ظل الإنهيار المالي وانعدام قيمة الليرة اللبنانية.

أنشأ الجهاز الأمني الإسرائيلي مئات الشركات الوهمية التي تعلن عبر الإنترنت عن فتح باب التوظيف، واستطاع - بحسب "فرع المعلومات" في الأمن الداخلي اللبناني - الحصول على أكثر من 10 آلاف سيرة ذاتية لبنانية بجميع الإختصاصات.

بوابة العبور الإلكترونية التي كُشفت تفاصيلها فيما بعد، شكلت واحدة من أساليب التجنيد الإستخباراتي الإسرائيلي في الداخل اللبناني استغلالاً للأزمة المعيشية.

ولكن مع مرور الوقت، أخذت أساليب التجنيد أوجهاً أخرى في السنوات الثلاث الأخيرة بين معركتي "أولي البأس 2024" و"العصف المأكول 2026"، مع انكشاف لعدة شبكات تجسسية تركزت هذه المرّة على مهنة الصحافة، الغطاء الأمثل ربما، لإخفاء الجاسوسية، مع تصاعد أعداد الصحافيين الأجانب الذين وفدوا الى لبنان لتغطية الحربين وما بينهما، واستعانتهم بـ"مساعدين" لبنانيين.

الملاحظ انه ومع انكشاف العديد من هؤلاء، دخل الموساد الإسرائيلي بطرق التفافية أخرى، عبر إنشاء شركات انتاج أجنبية وهمية، أو مؤسسات بحثية، أو ببساطة، الإستعانة بمتعاونين محليين وباحثين ميدانيين، يخترق من خلالهم جهازُ الإستخبارات الإسرائيلي ميدان المعركة وخطوطه الخلفية، ويحاول الإستحصال على داتا معلومات يعجز من خلال تقنياته التجسسية الحصول عليها.

شبكة "أثر" للصحافة الإستقصائية، تفتح ملف مهنة الصحافة الأجنبية والجاسوسية الإسرائيلية، والعلاقة الرمادية التي تحكم بينهما. خاصة مع ما يثار لبنانياً من تساؤلات حول إمكانية استغلال العمل الإعلامي لأغراض استخباراتية.

تحقيق يطال الشق القانوني وتنظيم آليات عمل المراسلين الأجنبية في لبنان، ليمتدّ الى الإفلات من العقاب والتدخل الأجنبي لحماية العملاء، الى جانب البحث عن سدّ الثغرات الأمنية وحماية الأمن القومي اللبناني من هذه الإختراقات، وليس انتهاء بكشف أساليب التحايل مع تنوعها وتخفّيها بأوجه مختلفة.

صحفية أميركية-هولندية متعددة المهام دون ارتباط بمؤسسة إعلامية!

بدأت القصة مع شاهد عيان قدّم لشبكة "أثر" معلومات تثير الشبهة – حسب تعبيره - حول صحافية أجنبية غربية متواجدة حالياً في لبنان تحمل جوازي سفر: أميركي وهولندي، تُدعى "ك. ب." وتصطحب معها "مساعداً" لبنانياً يساعدها في تحصيل الأذونات وترتيب الإجراءات الرسمية، كما زوّدته بمعدات تصوير متطوّرة باهظة الثمن لمساعدتها في التصوير الميداني أثناء تجولها.

يلاحظ الشاهد (وهو إعلامي فضّل عدم الكشف عن هويته) أن "ك.ب." تنفق الكثير من المال على العلاقات العامة وتنظيم معارض الصور في لبنان، برغم أنها تعرّف عن نفسها بأنها مصوّرة فوتوغرافية مستقلة، وهذه المهنة لا تدرّ الكثير من المال على الصحفيين المستقلين أو ما يُعرف بصحفيي "فريلانس"، خصوصاً مع وجود عدد كبير من ممثلي وكالات الأنباء العالمية التي تقدم خدماتها من صور ومواد تصوير خام (Raw) للمؤسسات الإعلامية خارج لبنان.

تارة تمارس "ك.ب." – بحسب الشاهد - دور المصوّر وتارة دور المراسل، فتدخل المقرّات الرسمية، البيوت، أماكن تجمّع الصحفيين، وتنسج العلاقات الإجتماعية مع أناسٍ عاديين في مناطق محددة جميعها مرتبط بمناطق ما يًُعرف ببيئة المقاومة في لبنان!!

تتبّع فريق "أثر" هذه الصحافية عبر المصادر الإستخبارية المفتوحة (OSINT)، فاتضح بأن "ك.ب." أميركية المولد، عاشت سنوات في مدينة خرونينغن الهولندية، وعملت هناك ضمن شركات خاصة (جميعها غير صحفي) لغاية العام 2017، حيث ظهرت أولى تغطياتها الصحفية في فلسطين عام 2017، ثم وسّعت تغطيتها إلى لبنان وسوريا والعراق وإيران.

تعمل مصورة صحفية مستقلة (Freelance Photojournalist) وتركز على توثيق الحياة في مناطق النزاع في الشرق الأوسط.

تقول (ك.ب.) في سيرتها المهنية إن هدفها توثيق الجانب الإنساني في المنطقة وكسر الصور النمطية السائدة في الإعلام الغربي.

خلال حرب لبنان التي أعقبت طوفان الأقصى في خريف 2023، أصبحت (ك.ب.) من بين قلّة من الصحفيين الأجانب الذين أقاموا وعملوا لفترات طويلة في جنوب لبنان، وأجرت عدة مقابلات شرحت فيها تجربتها الميدانية.

تعرّضت، مع صحفيين آخرين، لتهديد مباشر من القوات الاسرائيلية أثناء تغطية ميدانية قرب الحدود وفق روايتها. ومنذ سنوات، اختارت أن تعيش في جنوب لبنان حيث نسجت علاقات مع الأهالي، ووثّقت حياتهم اليومية والحرب والدمار بعدستها، ما عمّق تجربتها في فهم البيئة الجنوبية، وربما أكثر من ذلك!

بعد هذا التتبّع، لم يجد فريق "أثر" أي دليل موثّق أو اتهام رسمي يربط الصحافية/المصورة الأميركية بأي نشاط استخباراتي أو تعاون مع جهاز الموساد أو أي جهاز استخبارات آخر. وبالتالي لا يمكن مهنياً أو قانونياً الإيحاء بذلك. لكن هذا النمط من العمل يطرح سؤالاً مهنياً مشروعاً: أين ينتهي العمل الصحفي المشروع، وأين تبدأ الشبهة الأمنية؟

فوجود صحفي أجنبي لفترات طويلة في منطقة حدودية، وبناؤه شبكة واسعة من العلاقات المحلية، وجمعه كماً كبيراً من الصور والمعلومات، كلها أنشطة قد تكون جزءاً طبيعياً من العمل الصحفي، لكنها قد تتقاطع أيضاً مع الأساليب التي تعتمدها أجهزة الاستخبارات عند تشغيل مصادرها البشرية.

وإذا كان الصحفي الحقيقي قد يبدو - ظاهرياً - مشابهاً لمن يستخدم الصحافة غطاءً استخباراتياً، فكيف تستطيع أي دولة أن تميز بين الاثنين؟ وهل يمتلك لبنان أصلاً معايير مهنية وأمنية واضحة لهذا التمييز؟

القانون واضح...ولكن!

يشترط قانون المطبوعات اللبناني (1962) والمتعلق تحديداً بتنظيم مهنة "مراسل الصحافة الأجنبية" المنتمي إلى وسائل إعلام أجنبية، أن يستحصل على بطاقة "مراسل صحافة أجنبية" صادرة عن وزارة الإعلام.

وبحسب قانون العقوبات اللبناني، يُعاقَب كل "من ينتحل صفة مراسل صحفي أجنبي دون ترخيص رسمي" بموجب المادة 393 بالحبس لمدة تصل إلى 6 أشهر على الاقل.

والبطاقة الصحافية، المقصود بها هو الترخيص الذي تمنحه وزارة الإعلام للمراسلين الأجانب في لبنان، بناء على شروط محددة. ومن دونها، لا يحق لأي صحفي أن يمارس عملاً صحفياً على الأراضي اللبنانية حتى وإن ثبت انتماؤه لمؤسسة إعلامية أجنبية.

رئيس "قاعة المراسلين العرب والأجانب"، في وزارة الإعلام، محمد ملي، يوضح لشبكة "أثر" بأن الترخيص يشمل حصراً العاملين في الصحف المطبوعة ان كانت يومية أو دورية، او مؤسسات مرئية  ووكالات الأخبار، عبر تصريح يسمى بـ"المؤقت" (أسبوع، وقد يصل الى 20 يوماً)، يعطى بعد التأكد من هوية الوسيلة الإعلامية، وإثبات انتماء الصحافي الأجنبي لها عبر كتاب من المؤسسة الإعلامية عينها يتضمن تفاصيل عن الصحافي كالإسم والجنسية ورقم جواز السفر، بعدها يصار الى أخذ موافقة الأمن العام في غضون 24 ساعة.

وبحسب ملّي، تفرض الإجراءات المتبعة أيضاً أن يستحصل الصحافي الأجنبي على تصديق الجيش اللبناني للتصريح المؤقت، فقط في حال أراد ممارسة التغطية الصحافية في الجنوب. وعن تشديد هذه الإجراءات الحالية في ظل كشف علاقة عددٍ من العاملين في حقل الصحافة بالموساد، يؤكد ملّي ان الوزارة أقرّت "إجراءات إضافية" ومزيداً من التدقيق في المعلومات المتوافرة في جواز السفر والوظيفة الموكلة لطالب الترخيص، على ان تنحصر في حقول المراسلة الميدانية والتصوير والإنتاج وهندسة الصوت والإخراج.

"تنتهي مهمة الوزارة عند هذا الحدّ، ما منراقب عمل الصحافي ولا نتابعه" يوضح مليّ، مع الإكتفاء بإعطاء "نصائح" للصحفيين الأجانب بشأن الأوضاع الخطرة في الجنوب وضرورة التواصل مع الجيش اللبناني في حال التعرّض لأي خطر.

جدلية القانون وثغرات تسرّب الموساد

يستثني قانون المطبوعات العاملين الأجانب في المواقع الإلكترونية، وشركات الإنتاج و"مراسلي فريلانس" (العمل الصحافي الحرّ)، فتُحجب عن هؤلاء التراخيص الرسمية لمزاولة المهنة في لبنان، في ظل غياب قانون الإعلام الجديد الذي ما زال خارج الإقرار ويلحظ في بنوده الإعلام الرقمي.

هذا الإستثناء، عدا عن أنه قد يقصي شريحة واسعة من العمل الإعلامي في ظل الثورة الرقمية، يفتح جدلاً قد يكون منطقياً حول هوية وسائل الإعلام الأجنبية المرخص لها، ودورها وقربها من العدو الإسرائيلي.

جدلية يثيرها الصحافي الإستقصائي رضوان مرتضى في حديث مع "أثر"، إذ أكد أن "الصحافيين" العملاء يمكنهم الدخول عبر شركات الإنتاج، ومثالٌ على ذلك توجُّه شركات إنتاج خارجية في الآونة الأخيرة لمجموعة "مؤثرين" والطلب اليهم التصوير في قلب الضاحية وتعقّب الإستهدافات الإسرائيلية هناك.

يتوقف مرتضى عند ما يصفه بـ"النظرة الخاطئة والمضلّلة" حول وسائل الإعلام الأجنبية المرخص لها من قبل وزارة الإعلام. فهذه المؤسسات – برأيه - تتبنى مقاربات منحازة الى "اسرائيل"، وغالبية مراسليها الآتين إلى لبنان كما يقول، سبق لهم أن دخلوا الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حين أن صحافيين أجانب يمارسون العمل الفردي الحر "فريلانس"، أو عاملين في مواقع الكترونية، هناك من يعادون الصهيونية و"يقفون الى جانبنا وينقلون أصواتنا".

فالقاعدة الأساس إذاً، بالنسبة الى مرتضى، هو عمل الأجهزة الأمنية المعنية في التأكد من جوازات السفر وعلاقة المراسلين بـ"اسرائيل" وتتبع كتاباتهم ان كانت مؤيدة لها أو العكس، وهذا الأمر لا يبدو أنه يُعطى الجديّة الكافية.

براندون باكنغهام هو صانع محتوى ويوتيوبر أمريكي يمتلك قناة شهيرة باسم The Buckingham Show، حيث يتابعه أكثر من 1.3 مليون مشترك. اشتهر بتقديم فيديوهات وثائقية فريدة، ومقاطع لمقابلات الشارع، بالإضافة إلى محتوى السفر والمغامرات الجريئة. خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان خريف العام 2024، وتحديداً في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024، نشر باكنغهام شريطاً من 77 دقيقة يوثق جولته في جنوب لبنان بين قرى السلطانية، الزرارية، خربة سلم وتبنين في قضاء بنت جبيل وصولاً إلى مدينة صور، رافقه صانع الافلام اللبناني مصطفى ضاهر الذي يقطن بولاية تكساس في الولايات المتحدة الأميركية.

وبرغم أن باكنغهام لا يحمل البطاقة الصحفية ولا ينتمي إلى أي مؤسسة إعلامية، إلا أنه مكث في جنوب لبنان خلال العدوان، والتقى مواطنين لبنانيين وجال معهم وعايش حياتهم اليومية، ووثق استهداف بيوتٍ في الجنوب وجال بداخلها، إلى حد أنه رافق أحد المواطنين في جنوب لبنان وعبر حاجزاً للجيش اللبناني في بيت ياحون لمعاينة واقع القرى الحدودية!

فريق "أثر" تتبع كيفية دخول باكنغهام إلى لبنان، فتبين أنه دخل عبر مطار بيروت بصفة سائح خلال ما سُمي بمعركة الإسناد في شهر آب/أغسطس 2024 وغادر قبل منتصف شهر أيلول/سبتمبر 2024 دون أن يتقدّم بأي طلبات إلى وزراة الإعلام أو يحصل على أي أذونات للعمل الصحفي.

وبرغم أن ما نشره صانع المحتوى الأميركي حاول أن يعكس صورة الحياة المعاشة على حقيقتها خلال الحرب في جنوب لبنان بواقعية ومصداقية، إلا أن طريقة عمله على الأرض تعكس حجم الفوضى التي تشهدها الساحة الإعلامية اللبنانية، وسهولة تمكن الصحفيين الأجانب من ممارسة عملهم دون أي رقابة أو متابعة من الأجهزة الرسمية اللبنانية، ما يشكل ثغرة أمنية كبيرة.

بين الصحافة والجاسوسية

يعود تاريخ الجاسوسية في لبنان الى الأربعينيات، حتى منذ قبل نشوء كيان الإحتلال. يأخذنا المتخصص في الشؤون الإسرائيلية قاسم س.قاسم، الى كتاب "جواسيس بلا وطن" (2019)  للكاتب الإسرائيلي ماتي فريدمان الذي يوثق لهذا التاريخ الإستخباراتي في لبنان تحديداً، الساحة الرخوة التي يمكن اختراقها. وأيضاً البلد الذي شهد مذاك لحركة ثقافية كبيرة ولمساحات واسعة من الحرية، الى جانب كونه قاعدة للجيوش العربية.

هكذا، اختُرق من قبل الإحتلال الإسرائيلي عبر جواسيس مستعربين (اليهود العرب) أتوا من سوريا الى لبنان، لتنفيذ أعمال تخريبية. ومع تغيّر وجهات تعقّب الموساد للجهات المستهدفة من مطاردة النازيين مروراً بـ"منظمة التحرير الفلسطينية" وليس انتهاء بإيران والمقاومة في لبنان، تغيّرت أيضاً هويات وجنسيات المنفذين، إذ كان الموساد، بحسب قاسم، ينفذ العمليات الإرهابية عبر أيدٍ اسرائيلية بحتة. وبعد الكشف عن العديد من شبكاته، وتحديداً عملية اغتيال القائد الفلسطيني محمود المبحوح في دبي عام 2019، شرع الموساد في استخدام عملاء محليين لتنفيذ العمليات الإرهابية.

يتوقف قاسم على سبيل المثال، عند عملية اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري (2016) الذي اشتهر بتطوير الطائرات بدون طيار لصالح "كتائب عز الدين القسام"، ليدخل من خلالها الى بوابة تطويع الموساد لعملاء محليين في تونس تحديداً، علماً ان هؤلاء العملاء لم يكونوا على علم بإنهم استخدموا من قبل الجهاز الأمني الإسرائيلي لتنفيذ عملية الإغتيال. إذ أوهموا وقتها بإنهم يعملون لصالح شركة انتاج إعلام أجنبية. من هنا، تعززت أكثر علاقة الصحافة بالجاسوسية، واستخدام "اسرائيل" لهذه المهنة لتنفيذ عملياتها الإرهابية.

كيف يطوّع الموساد الصحافي الأجنبي في لبنان؟

بحسب رئيس "قاعة المراسلين العرب والأجانب"، في وزارة الإعلام، محمد ملي، أعطي لـ900 صحافي أجنبي حالياً تصاريح مؤقتة. مقابل 2500 تصريح في الحرب السابقة. وأرجع هذا الإنخفاض في الأعداد لصعوبة الحجوزات وإعاقة حركة الطيران.

إذاً، مراسلون أجانب يتنقلون في لبنان للتغطية الصحافية، إن كان في بيروت أو الجنوب، لتُكتشف بعدها أسماء مرتبطة بالموساد دخلت الى البلاد عبر جوازات سفر أجنبية، خاصة مع سهولة التنقل واستخدام متعاونين محليين، الى جانب تطور أدوات التجسس على رأسها الهواتف والكاميرات الحديثة.

قبل عامين (2024) ألقي القبض في بيروت على الأميركي-الإسرائيلي "يشوع تارتاكوسكي" الذي دخل الى لبنان بجواز سفر بريطاني وعثر بحوزته على أوراق ثبوتية اسرائيلية. إدعى لحظة توقيفه أنه صحافي وكان يتجول في الضاحية الجنوبية ويقوم بتصوير أحيائها لأغراض صحفية. تدخّلت حينها السفارة الأميركية لإطلاق سراح "أحد مواطنيها" بحجة أنه يحمل جنسيتين، بينها الإسرائيلية، لكنه دخل إلى لبنان للعمل لمصلحة مؤسسة إعلامية أميركية.

لاحقاً، وصل الإسرائيلي " يتسحاق هوروفيتس" إلى لبنان أواخر العام الماضي (2025)، بجواز سفر إسباني وتنقل بين المناطق سيما الضاحية الجنوبية ووثّق زيارة لضريح الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لتكتشف هويته فيما بعد، أي بعد مغادرته، وذلك على لسان "هيئة البث العامة الإسرائيلية" التي نشرت الخبر مع صورته.

بعد أشهر، وتحديداً في شهر آذار/مارس 2026 ألقت السلطات الأمنية الكويتية القبض على هوروفيتس للإشتباه في علاقته بالموساد، قبل ترحيله لاحقاً لعدم "ثبوت" أي نشاط أمني مشبوه بحقه، بحسب ما ورد في وسائل إعلام كويتية وإسرائيلية.

وفي أيار/مايو 2026، نشرت القناة 14 الإسرائيلية مشاهد قالت إنها توثّق زيارة هوروفيتس إلى العراق، حيث تجوّل في بغداد والنجف وكربلاء، وتحدّث عن لقائه ما تبقى من الجالية اليهودية الصغيرة في البلاد قرب بلدة ذي الكفل، قبل مغادرته العراق الذي دخله مرة أخرى بجواز سفر أجنبي.

لنصل أخيراً الى شبهة الإختراق الأكبر خلال الحرب الأخيرة في لبنان (آذار 2026) "جالايسا دوغروت" Jalyssa Dugrot التي انتحلت صفة الصحافة وتبين لاحقاً، بحسب بيانات صحفية وناشطين صحفيين، بإنها كانت تعمل لصالح شركة "دفاع وتجسس" في الولايات المتحدة الأميركية (Spathe Systems).

دخلت دوغروت إلى لبنان عبر جواز سفر أجنبي وبتأشيرة دخول سياحية، وقامت بالمكوث في "مستشفى جبل عامل" في صور، تحت صفة صحافية مستقلة تتعاون مع Print Press News، التي أوضحت فيما بعد التعاون القصير بينها وبين دوغروت والذي لم يتجاوز الأسبوع (بين 18 و25 آذار/مايو) فقط. ويبدو أن هذا التعاون لم يكون سوى غطاء أمني لتعطيل التعقب والاشتباه بها.

حادثة تعقبت تفاصيلها الإعلامية وصاحبة موقع Mena Uncensored، ليلى حاطوم، إذ كشفت في نهاية شهر أيار الماضي، بإن دوغروت "غير قانونية وتعمل كصحفية في جنوب لبنان".

وفي حديث مع "أثر" تؤكد حاطوم تعقبها لدوغروت منذ العام 2024 حين دخلت الى لبنان، وأرادت "التدرب على مهنة المراسلة الحربية وفهم أكثر لمنطقة الشرق الأوسط". وشرعت في  الدخول الى مجموعات الكترونية مساندة للمقاومة ونسجت علاقات شخصية مع البيئة الخاصة بها. وعن حيثية وخطورة دخولها الى مسشتفى في الجنوب اللبناني، قالت حاطوم بأن أمثال دوغروت يدخلون الى هذه الأماكن، بما يرجح انه تعّقب لهويات الجرحى ولحركة الإسعافات وللمسعفين وأوقات المغادرة والعودة. وباستطاعتها أيضاً التنصت الى ما يقوله أهالي الجرحى وايصال هذه الداتا الى مشغليها الإسرائيليين.

حاطوم التي عملت كمراسلة ميدانية وغطت حرب تموز/يوليو في لبنان عام 2006، وأيضاً واكبت صحفياً عمليات الإغتيال لشخصيات لبنانية بين الأعوام 2003 و2007، عُرفت باحتكاكها بصحافيي أجانب كثر لطبيعة عملها في وسائل إعلام أجنبية او ناطقة بالإنكليزية كـ"دايلي ستار".

لاحظت حاطوم لدى هؤلاء – سواء كانوا مراسلين أو كتّاباً -  حجم اهتمامهم الكبير بزوايا محددة في لبنان، خاصة الشق الأمني والتركيز على طائفة بعينها، ألا وهي الطائفة الشيعية. هذا المسار تنامى بحسب حاطوم، بعد حرب تموز 2006، فباتت الأسئلة واضحة ومباشرة وتفصيلية - كما تقول – حول ما يُسمى بـ"بيئة المقاومة"، لتبدأ بعد هذه الأسئلة محاولة الإلتصاق بهذه البيئة لفهم "نمط حياتها اليومي وكيفية اختراقها".

تتوقف حاطوم عند ما وصفته ببداية هذا النوع من الإختراق، لدى اغتيال القائد في "حزب الله" غالب عوالي عام 2004، إذ أشارت الى وجود دور مرجّح لعناصر استخباراتية قدّمت نفسها كفريق إعلامي أجنبي، نمساوي على وجه التحديد، في محيط العملية في شارع معوّض شمال الضاحية الجنوبية لبيروت.

تميّز الإعلامية اللبنانية ليلى حاطوم بين ثلاثة أنواع من الصحافيين الأجانب في التجنيد:

  • الأول يكون صحافياً بالأصل ويجنّد لاحقاً على يد الموساد. هذا النوع بحسب حاطوم يصعب كشفه نظراً للحيثية التي يتمتع بها الصحافي في محيطه وتستند صفته إلى وثائق وإرث صحفي مثبت في المصادر العلنية المفتوحة.

  • ·      الثاني لا يمت بصلة الى الصحافيين ، لكنه يتلقى تدريباً لدى الموساد في مهارات مهنة الصحافة. هذا النوع من العملاء يتم زرعه عادة في المكاتب الصحافية، وينتشر بين الناس، ليمارس العمل الصحفي والأمني في وقتٍ واحد. ولكن، كون خبرته المهنية عادة قليلة، فهؤلاء تفضحهم كتاباتهم وأسئلتهم للشخصيات الرسمية وأسلوب عملهم أمام بقية الصحفيين المحترفين أو مسؤولي التنسيق الصحفي في المقرّات أو الميادين ممن يكونون غالباً من أصحاب الخبرة في العمل الإعلامي.

  • ·      أما النوع الثالث، فهو الجاسوس تحت غطاء الصحافة. عادة ما يكون مفضوحاً ومكشوفاً أمنياً، يشتغل على كتابات تثير النعرات، ويسعى على الدوام لجمع المعلومات حول مواضيع محددة. ولعلّ الأكثر شيوعاً في حالات التخفي بأثواب الصحافة، استخدام منظمات انسانية غير حكومية لدسّ عملاء داخلها. تعود حاطوم هنا، الى عاميّ 2002 و2003، عندما زرعت المخابرات الأميركية عملاء لها في منظمات مشابهة كـUSAID، وهو ما تم كشفه في العديد من دول العالم.

إختراق الصحفيين المحليين في لبنان

يُطرح سؤال بديهي في هذا التحقيق: إذا كان الصحافي الأجنبي في لبنان محل شبهة، لماذا لا تلجأ الاستخبارات الإسرائيلية، أو أي جهاز استخباراتي آخر، لتجنيد صحفيين لبنانيين، أو عملاء لبنانيين ينتحلون صفة الصحافي؟

هذا ليس سؤالاً سيء الظن. فجهاو الموساد نفسه يعترف بأنه يستخدم الإعلام اللبناني بسهولة لتحريض اللبنانيين ضد حزب الله.

منتصف العام 2026، أقرّ مسؤول سابق في الموساد الإسرائيلي، في تحقيق نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم" بتاريخ 28 أيار 2026، بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي طوّر خلال السنوات الأخيرة أدوات إعلامية ونفسية مخصّصة للتأثير في الساحتين الإيرانية واللبنانية، وأن فرعاً خاصاً داخل الموساد أُنشئ لهذه الغاية.

بحسب التحقيق، أنشأ الموساد عام 2021 فرعاً متخصصاً في "عمليات التأثير" بهدف التأثير على الرأي العام الإيراني وإضعاف النظام من الداخل، وذلك عبر أدوات إعلامية ونفسية وسياسية، معتمدًا على دراسة المزاج الشعبي الإيراني من خلال تحليل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي واستطلاعات الرأي. كما أنشأ شبكة من الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، وصفها التحقيق بأنها "آلة سموم" تعمل على نشر رسائل ومعلومات تستهدف تقويض صورة النظام وإضعاف الثقة به. وعمل الفرع على نشر محتوى إعلامي عبر مؤثرين على الإنترنت، بعضهم حقيقيون وبعضهم أُنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، للمساعدة في إيصال الرسائل إلى الجمهور الإيراني.
ويقول المسؤول السابق في الموساد "O” إن الهدف النهائي لهذه العمليات كان توسيع الفجوة بين المجتمع والنظام وتهيئة الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام أو إسقاطه مستقبلاً.
ويكشف التحقيق أن فرع العمليات التأثيرية في الموساد لم يُنشأ للعمل ضد إيران فقط، بل مُنح منذ تأسيسه تفويضاً للعمل في بلدين حصراً هما إيران ولبنان. وجاء في المقابلة:
"ليس من قبيل الصدفة أن يذكر (O.) لبنان. فعندما أُنشئ فرع التأثير، مُنح تفويضاً للعمل في بلدين فقط لا غير: إيران ولبنان.
بالمناسبة، في لبنان يكون الأمر أكثر سهولة ومتعة، لأن الإعلام اللبناني أكثر قابلية للوصول من الإعلام الإيراني بكثير. وبسبب خصائص لبنان، فإن كل طائفة وكل مجموعة لديها تمثيل في وسائل الإعلام، ولذلك تعرف كيف تُدخل تقريباً أي رسالة تريدها إلى الإعلام".
وأضاف: "عندما أنشأت هذا الفرع، بُنيت قدراته وفقاً لإيران ولبنان. وعلى هذا الأساس جرى بناء القنوات والبنى التحتية والأدوات".

ضمن هذا الإطار، كان المفترض أن تقّدم نقيبة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع في لبنان د. رندلى جبور إجابة مباشرة عن هذا السؤال ضمن مقابلة بودكاست، لكن إفادة جبور ضمن تحقيق "أثر" تتضمنت ما هو أخطر من ذلك.

المعلومات التي حصلت عليها "أثر" من مصادر غير رسمية، كشفت أن موظفين أميركيين، بعضهم من أصل لبناني، يزورون لبنان من حين إلى آخر بغطاء الانتساب إلى "وزارة الخزانة الأميركية"، يعمدون إلى التواصل مع صحفيين لبنانيين محدّدين من قبل السفارة الأميركية في لبنان لاستدراجهم إلى "التعاون" مع السفارة في تبنّي السياسات الأميركية وتظهيرها في العمل الإعلامي، ثم شيئاً فشيئاً يبدأ هؤلاء بتلقي التوجيهات في نشر معلومات محددة، أو طلب إجراء مقابلات مع شخصيات سياسية، أو التوجه إلى أماكن معينة للتغطية والحصول على المعلومات وتوجيه الخطاب الإعلامي.

الصحافيون في الجنوب والتنسيق الأمني مع "الجهات المعنية"

في الميدان الجنوبي المشتعل في لبنان، يتمركز الصحافيون بين نقاط ثابتة وبين جولات ميدانية متحركة تبعاً للظرف الأمني. هؤلاء، بحسب المسؤول الإعلامي في منطقة جبل عامل الأولى في حزب الله سلمان حرب، ينتشرون بين ثلاث قطاعات:

القطاع الغربي (طيرحرفا – صور)، والقطاع الشرقي (مرجعيون) والقطاع الأوسط (رميش ومحيطها).

في الجنوب لا يكفي استحصال الصحافيين على التراخيص من قبل وزارة الإعلام واستكمالهم  للإجراءات الأمنية الرسمية من قبل الأمن العام والجيش، بل يخضع هؤلاء الى اجراءات اضافية أمنية وأخرى تحريرية تخص النصوص وطبيعة الصور المنشورة.

يتحدث العميد المتعاقد علي أبي رعد الذي خدم لسنوات في جنوب لبنان، ضمن بوكاست "أثر"، عن علاقة الشك التي تربط أي ضابط في الجنوب بأي صحفي أجنبي، وذلك ليس بناءً على توجيهات عسكرية رسمية، بل بناءً على التجربة المتراكمة.

بُعيد "طوفان الأقصى" (2023) توافد الى الجنوب بحسب حرب، ممثلو 130 وسيلة إعلامية أجنبية في إطار معركة "أولي البأس". كانت وقتها المعركة محصورة بما يسمى "جنوب الليطاني"، عبر الغارات الإسرائيلية المعادية. وكان مقصوداً في تلك الفترة، كما يشرح سلمان حرب في سياق "ادارة الصورة"، نشر صور الدمار بشكل مطرّد لتبيان همجية العدو.

يلفت المسؤول الإعلامي في منطقة جبل عامل الأولى هنا، الى انخفاض أعداد وسائل الإعلام الأجنبية التي رست على 50 وسيلة إعلامية إبان اعلان وقف إطلاق النار (تشرين الثاني/نوفمبر 2024)  او ما بات يعرف بمدة الـ15 شهراً. ومع ذلك، ظل التركيز على التغطيات الإعلامية بعد انتهاء هذه المعركة، سيما مع مرافقة الأهالي الى قراهم على خط المواجهة، سيما في "يارون" و"مارون"، والمواكبة الإعلامية لسلسلة التشييعات التي عمّت القرى وقتها.

مع بدء معركة "العصف المأكول"، عاد ما يصفه حرب بـ"الزخم الإعلامي"، إذ ما يقارب الـ100 وسيلة إعلامية بين عربية وأجنبية تتمركز حالياً في الجنوب، 15 منها تمكث في منتجع "الرست هاوس" (صور)، وفي القطاع الشرقي (إبل السقي)، وسط غياب التغطية في القطاع الأوسط (رميش) في الآونة الأخيرة بسبب استهداف الاسرائيليين المباشر للأطقم الصحفية في تلك المنطقة.

الملفت في هذه الطواقم، بحسب حرب، هو الثقل الصحافي الذي تضعه وسائل الإعلام اليونانية على هذه الجبهة، ومدى اهتمامها بالملف اللبناني (بين 5 و6 وسائل إعلام) الى جانب الإعلام الفرنسي (بين 5 و6 وسائل إعلام)، والأميركي والألماني والسويسري وباقي البلدان العربية. هذه المنصات الإعلامية حضرت منذ الثاني من آذار/مارس، أي منذ لحظة اندلاع الحرب، وبرزت بينها  بحسب حرب، شبكة "الجزيرة" بكل تفرعات منصاتها العربية والأجنبية  كحضور إعلامي قوي على الساحة اللبنانية.

لكن اللافت في حديث حرب، أن عدداً من الصحفيين الأجانب يدخلون تحت أسماء شركات إنتاج خاصة، التي على الرغم من استثنائها رسمياً في منحها التراخيص الإعلامية الرسمية فإنها حاضرة، ويصار – كما باقي الصحفيين – إلى اتخاذ اجراءات إدارية حيال هؤلاء، عبر تسجيل بيانات أفراد فريقها، وتوثيق نسخ عن جوازات سفرهم، ومتابعة التقارير الصحفية التي ينشرونها ووجهتها.

طبعاً، شهدت الحرب الماضية اختراقاً أمنياً اسرائيلياً واسعاً لمناطق بيئة المقاومة انعكست توقيفات متعددة طول أيام تلك الحرب الـ66 وما تلاها. لكن تفكيك طريقة عمل العملاء، دفعت المقاومة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، على سدّ هذه الثغرة بقدر كبير.

لكن ماذا عن الإختراق تحت صفة "صحافيين أجانب" سيما على الجبهة الساخنة جنوباً؟

يصف هنا "حرب" الوضع الأمني الحالي في الجنوب بالـ"ممتاز" مع قدرة الضبط لهذا الكمّ الهائل من وسائل الإعلام المتواجدة في الجنوب. كما يشيد بإدارة الجبهة الإعلامية - إن صح التعبير- وبـ "جهدها الجبّار" على مستوى ضبط ساحة جنوب نهر الليطاني أمنياً، خصوصاً مع فهم أسلوب عمل "الصحفيين المجنّدين للموساد".

فعلى سبيل المثال، يركز هؤلاء على ما وصفه بـ"تقفي الأثر" الذي عادة ما يتبعه "العملاء"، وذلك من خلال تتبع غارات محدّدة والحرص على تصويرها ولو من خارج الشعاع الجغرافي المتاح لحركة الصحفيين في الجنوب، بل وأحياناً من خلال الاستعانة بمصورين محليين يتم تزويدهم بأجهزة تصوير تحت مسمّى "معدات صحفية".

ويعمل هؤلاء أيضاً على "التشبيك المعلوماتي" ميدانياً، كالإستحصال على أرقام أطباء في المستشفيات التي تعالج الجرحى بحجة تأمين "مصادر معلومات صحفية"، وأيضاً تقفي أثر الجرحى من خلال محاولة الانخراط مع ذويهم أو أقاربهم وإظهار التعاطف والاهتمام.

لذا، يكشف حرب، كان واضحاً هنا ضمن الإجراءات المتخذة من قبل إدارة الإعلام في منطقة جبل عامل الأولى، ضرورة تحديد جغرافية حركة الصحافيين على الأرض، وإفراد لكل واحد منهم "مرافق ميداني".

الحرية الصحفية في مقابل الإفلات من العقاب

يغيب مفهوم الأمن القومي في لبنان تحت شعار حرية العمل الصحفي، الذي في كثير من الأحيان يُستغل من قبل الموساد لزرع الجواسيس في الداخل. هذا الواقع اللبناني، لم يمنحه أي ميزة في مؤشر حرية الصحافة العالمي، بل وضعه في مرتبة متأخرة جداً على المستوى العالمي (114 من أصل 155 للعام 2026).

ينتقد الصحافي الإستقصائي رضوان مرتضى هنا، الإستخفاف  الرسمي خصوصاً أثناء الحروب، مقارنة مع ما يفرضه العدو من اجراءات وعقوبات بحق مثلاً من يقوم بتصوير استهدافات المقاومة داخل الأراضي المحتلة، فيجرّم بالسجن على اعتبار أنه زوّد "العدو" بمعلومة، بخلاف ما يحصل في لبنان، اذ يهرع الصحفيين والناس العاديين الى مكان حدوث الغارة ويقومون بالتصوير المسحي الدقيق  دون أي رادع أمني، ومن خلال هذه الصور وتحليلها يستحصل الإسرائيلي على مبتغاه في "تأكيد تحقيق الضربة لأهدافها".

هنا، لا يمكن إغفال مسؤولية الأجهزة الأمنية من أمن عام وأمن دولة ومخابرات وفرع معلومات. أجهزة يغيب عنها بحسب الإعلامية ليلى حاطوم التصرف "بطريقة صحيحة" أمنياً، إذ يغلب على الأداء الأمني "الإرتباطات السياسية" لمسؤولي هذه الأجهزة، الأمر الذي يهدد الأمن القومي في لبنان.

وتذكر حاطوم بضرورة التوقف مليّاً عند حادثة المدعو "خالد العايدة" السوري-الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأوكرانية والذي كان محتجزاً في الضاحية بتهمة التعامل مع العدو، وقام – بطريقة ملتبسة - بالفرار الى السفارة الأوكرانية حيث رفضت الأخيرة تسليمه للسلطات الأمنية اللبنانية برغم الطابع الأمني الخطير للحادثة، وغيرها من الحوادث التي ثبت فيها تورط أشخاص – لبنانيين وأجانب - في التجسس لصالح العدو، لكن ضغوطاً سياسية خارجية وداخلية أدّت إلى إفلات هؤلاء من العقاب وتهريبهم خارج البلاد.

تواصل لم يكتمل بالحصول على إجابات

في محاولة للحصول على حق الرد أو المزيد من المعلومات، تواصل فريق "أثر" مع كل من:

  • النائب الدكتور ابراهيم الموسوي، رئيس لجنة الاعلام والاتصال النيابية

  • لينا الدنا، مسؤولة العلاقات العامة في لجنة دعم الصحفيين JSC،

  • المحامي طوني مخايل، مدير وحدة الرصد الإعلامي في مؤسسة مهارات،

إلا أنهم اعتذروا عن تقديم أي إجابات لأسباب مختلفة.

خاتمة التحقيق

لم تكن سيلفيا رفائيل صحفية، ولا يمكن الإدعاء بأن (ك.ب) جاسوسة، لكن إشكالية التحقيق الأساسية تكمن في أن أنشطة الصحفي الأجنبي في مناطق النزاع تتقاطع ظاهرياً مع أساليب العمل الإستخابراتي. فكلاهما:

  • يقيمان طويلاً في مناطق حساسة أمنياً

  • يبنيان شبكة علاقات واسعة

  • يجمعان معلومات تفصيلية

  • يأخذان صوراً لأماكن ذي طبيعة أمنية حساسة

  • يتجاوزان منطقة العمل المعلن

وهذا ما يطرح على كامل المجتمع: من ناشطين وأمنيين ومواطنين، سؤالاً جوهرياً: كيف نميز بين الصحفي الحقيقي وبين من يستخدم الصحافة كغطاء استخباراتي؟

وإذا كان هذا التحقيق قد أثبت بالحد الأدني نقطتين أساسيتين:

  1. إن تاريخ الجاسوسية لدى الموساد مليء بتجنيد الصحفيين أو تمكين جواسيسهم من العمل الصحفي،

  2.  إن في لبنان ثغرات كبرى تتيح الاختراق وتسمح بالتفلت من العقاب،

فإن جمع النتيجتين المثبتتين تخلص إلى أن المسؤولية تقع بشقها الأكبر على عاتق المواطن، وعلى درجة وعيه الأمني والإعلامي يتوقف الأمن اللبناني.

وإلى أن تتمكن مؤسسات الدولة اللبنانية من:

  • إقرار إطار قانوني واضح لاعتماد الصحفيين الأجانب في لبنان

  •   تعمييم معايير مهنية وأمنية شفافة لتتميز بين الصحفي والجاسوس

  • وضع آلية تظلّم مستقلّة لحماية الصحفيين من الاتهامات الكيدية

  • تدريب أمني للصحفيين المحليين حول مخاطر الاختراق وحدود العمل

  •   إقرار إطار تعاون مهني بين النقابات الصحفية والجهات الأمنية لتجنب التجريم العشوائي،

فإن الصحفيين الأجانب في لبنان وبكل واقعية – خصوصاً في فترة النزاعات – سيبقون متهمين بالتجسس إلى أن يثبت العكس...بكل أسف.